المبحث السادس عشر
توعد الكفار بقرب الساعة وبيان نوع عقابهم
قال الله تعالى : ] يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عَنْدَ اللهِ وَمَا يُدْرِيْكَ لَعَلَّ السَّاعَةُ تَكُوْنُ قَرِيْبًا + إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِيْنَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيْرًا + خَالِدِيْنَ فِيْهَا أَبَدًا لاَ يَجِدُوْنَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيْرًا + يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوْهَهُمْ فِي النَّارِ يّقُوْلُوْنَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُوْلاَ + وَقَالُوْا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَائَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيْلاَ + رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيْرًا [ [1]
”جاءت هذه الآيات تحكي عن سؤال الكفار للنبي e عن الساعة – استهزاء بها واستعجالا عن موعدها، وكان هذا الاستعجال يحمل معنى الشك فيها، أو التكذيب بها، أو السخرية منها حسب النفوس السائلة وقربها من الإيمان أو بعدها – وما أمره الله من جواب من سؤالهم. ثم أعقب ذلك إيذان بلعنة الله تعالى للكافرين وما أعده لهم من سعير حيث يخلدون فيها دون أن يجدوا وليا ولا نصيرا، وحيث تقلب وجوههم في النار وتأخذهم الحسرة والندامة ويتمنون أن لو كانوا أطاعوا الله تعالى ورسوله e ويدعون على سادتهم وكبرائهم الذين أطاعوهم فأضلوهم باللعنة ومضاعفة العذاب”.[2]
وكانت المناسبة بين هذه الآيات بما قبلها، أن الآيات التي قبلها تأتي بيانا عن الفئات الثلاث التي كانت دائما يدحضون الأباطيل والشكوك في الصفوف المسلمين ووسط المجتمع المسلم، وقد تم توعد الله تعالى عليهم بالطرد في الدنيا واللعنة، وفي الآخرة لهم عذاب شديد ؛ وجاءت هذه الآيات تبين شكوكهم عن الساعة التي كلم النبي e عنها دائما في دعوته، كانوا يسألون عنها للسخرية والاستهزاء على هذا الوعد، كما لعن الله تعالى بعد ذلك عن الوعيد الذي يستحق الكفار تناوله.[3]
وفي الآية الأولى تحكي عن افتراء بعض الناس في سؤالهم عن الساعة التي كان الرسول e كثير الحديث عنها والتخويف بها، والقرآن الكريم يصف شواهدها حتى لكلأن قارئه يراه.[4] حيث قال الله تعالى : ] يَسْألُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عَنْدَ اللهِ وَمَا يُدْرِيْكَ لَعَلَّ السَّاعَةُ تَكُوْنُ قَرِيْبًا [
"والتعبير بـ"الناس" يفيد الجمع لعامة الناس من كل أجناس، فيشمل فيها الكفار من اليهود والمنافقون، بل ويمكن أن يشمل المسلمون أيضا. ومن المحتمل أن يكون السؤال قد أورد على النبي e من أحد هذه الفئات، غير أن تعقيب حكاية السؤال وجوابه بجملة على الكفار يمكن أن يكون قرينة على أنه أورد من الكافرين أو الشاكين بالآخرة. ولهذا كان الجواب الذي احتوته الآيات من باب الأجوبة التي احتوتها الآيات المكية حيث يؤمر فيها النبي e بأن يعلن أن علمها عند الله تعالى وليس هو إلا نذيرا وبشيرا ولا يعلم من أمر الغيب إلا ما شاء الله تعالى".[5]
وقد اشتمل السائلون من هذه الأصناف، إلا أن الغرض فيما بينهم قد يختلف نظرا إلى اختلاف عقائدهم، فقد كان السائلون من المشركين -مثلا- يعاني استعجال الساعة على السبيل الهزء والسخرية، والسائلون من اليهود يسألون من باب الامتحان والاختبار للرسول e لأن الله تعالى عمى عن وقت قيام الساعة في التوراة، والمنافقون يسألون عنها تعنتا، وقد يكون السائلون هم المؤذون لرسول الله e لما توعدوا بالعذاب سألوا عن الساعة، استبعادًا وتكذيبًا، موهمين أنها لا تكون.[6]
“وكان قيام الساعة أو القيامة من أهم ما دار حوله الجدل بين النبي e والكفار في العهد المكي على ما حكته آيات عديدة، حكت في الوقت نفسه سؤالهم النبي e أكثر من مرة عن موعدها على سبيل التحدي والاستهتار. وتفيد الآيات أن ذلك ظل من المواضيع التي كان يعمد إليها الكفار للتمحل والتعجيز في العهد المدني. ولهذا صورت الآية سؤال الناس عنها بالفعل المضارع الذي يفيد التجدد والاستمرار. فمع أنهم قد سألوا وألحوا في السؤال – نجد أنهم ما زالوا يسألون، ولهذا حكى سؤالهم الذي كان في الماضي بفعل الذي يصور حالهم وهم يوجهونه إليه، ويردده واحد منهم بالآخر، لا يسأمون كثرة السؤال ولا يضيقون به.[7] وقد قال الله تعالى في آية أخرى عن سؤال الناس عن الساعة، كقوله تعالى : ] يَسْألونكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عَنْدَ رَبِّيْ لاَ يُجَلِّيْهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ … الآية .[[8]
“وقد أمر الله تعالى نبيه e إجابة سؤالهم بأن الله تعالى وحده الذي يعلمها، وهي غيب قد اختص به الله تعالى، ولم يشأ أن يطلع عليه أحد من خلقه. فقال تعالى : ] قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عَنْدَ اللهِ [ أي أجبهم عن سؤالهم وقل علمها عند الله، وليس في إخفاء الله وقتها عني ما يبطل نبوتي، وليس من شرط النبي أن يعلم الغيب بغير تعليم من الله جل وعز".[9]
ومن المعلوم أن الرسول e لا علم له بالساعة وهي مفوض علمها إلى الله تعالى،ولذا أرشده أن يرد علمها إلى الله عز وجل، وقد قال الله تعالى في سور عديدة تصف عن هذه الأسئلة منها مكية، ومنها مدنية، فاستمر الحال في رد علمها إلى الذي يقيمها لكن أخبره أنها قريبة، وذلك قوله تعالى : ] وَمَا يُدْرِيْكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُوْنُ قَرِيْبًا [[10] كما قال تعالى : ] اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [[11] وقال تعالى : ] اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِيْ غَفْلَةٍ مُعْرِضُوْنَ [[12] وقال تعالى : ] أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوْهُ [[13]
وعبر عن قرب وقوعها بقوله تعالى : ] وَمَا يُدْرِيْكَ لَعَلَّ السَّاعَةُ تَكُوْنُ قَرِيْبًا [ (وهو خطاب يلتفت إلى النبي e بعد تبصيره بجواب السائلين، والاستفهام هنا معناه الإنكار، أي لا شيء يدريك، وكأن هذا المقطع الذي ليس داخلا جواب "يسألك" قرع، وتنبيه، وإظهار للربوبية التي تأبى المشاركة، ومواجهة لمحمد e بأنه واحد منهم، ليس في الأرض شيء يدريه، ولا يرتفع به إلى درجة العلم بالأمور الربانية … كما أنها في موقعها هذا لشاهد صدق على أن القرآن الكريم لم يصدر عن نفس محمد e ، لأنه يستحيل أن يواجه نفسه في هذا السياق بهذه المواجهة).[14]
و(استخدم أداة التوقع “لعل” المفيدة على حدوث الفعل متوقعا، كما أن الآية لم تؤنث جملة “قريبا” لاعتبار المسؤول عنه هو يوم أو زمان وقوعه، على أن هذه الصفة تقع على المذكر والمؤنث، وقد قال تعالى :] إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيْبٌ مِنَ الْمُحْسِنِيْنَ [[15] ).[16]
وجاءت كلمة “الساعة” مع انتصاب قريبا على الظرفية والتذكير لكون الساعة في معنى اليوم أو الوقت مع كون تأنيث الساعة ليست حقيقية، والخطاب لرسول الله e وذلك لبيان أنها إذا كانت محجوبة عنه لا يعلم وقتها وهو رسول الله فكيف بغيره من الناس وفى هذا تهديد للمستعجلين وإسكات للمتعنتين.[17] ويؤكد عن هذا قول النبي e : (( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ )) وأشار إلى السبابة والوسطى.[18]
“واستأثر الله تعالى بعلم موعد الساعة، وشاء هذا لحكمة يعلمها، ولعل من هذه الحكمة ترك الناس على حذر من أمرها، وفي استعداد مستمر لفجأتها، ذلك لمن أراد الله له الخير، وأودع قلبه التقوى. فأما الذين يغفلون عنها، ولا يعيشون جمي أوقاتهم على أهبة للقائها فأولئك الذين يختانون أنفسهم ولا يقونها من النار، وقد بين الله تعالى لهم وحذرهم وأنذرهم، وجعل الساعة غيبا مجهولا موقعا في آية لحظة من لحظات الليل والنهار. كما قصر علمها على الله هنا يستغني عن الحذر وبثه، والإشفاق، في قلوب أهل الشريعة الموقنين بالله تعالى واليوم الآخر من أهل الكتب كلها، لأنهم قد يفجأون بأمر الله بياتا أو هم نائمون، أو ضحى وهم يلعبون”.[19]
روى البخاري عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله e قال : (( لَتَقُوْمَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلاَ يُتَابِعَانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ، وَلَتُقُوْمَنَّ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَلِيْطُ حَوْضَهُ فَلاَ يَسْقِي فِيْهِنَّ وَلَتَقُوْمَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أَكْلَتُهُ إِلَى فَيْهِ فَلاَ يَطْعَمُهُ))[20]
وبعد هذا التمهيد بحكاية سؤال الناس عن الساعة وجوابه، تتحدث الآيات عما أعد لأولئك الكفار في الآخرة، حيث قال تعالى : ] إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِيْنَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيْرًا + خَالِدِيْنَ فِيْهَا أَبَدًا لاَ يَجِدُوْنَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيْرًا [[21] طرد الله الكافرين بسبب كفرهم وعنادهم وأبعدهم عن رحمته، وهيأ لهم في الآخرة نارا شديد الاشتعال والاتقاد. ماكثين مستمرين فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها، ولا أمل لهم في النجاة منه، فلا يجدون من يواليهم ولا شفيع لهم يدفع عنهم العذاب.[22]
وكانت الآية جائت مؤكدة على ما قبلها في أن الله تعالى طردهم وأبعدهم من رحمته في الآخرة كما حرمهم رحمته في الدنيا. ففي أولى آياته تشير وتظهر إلى موعدة لهؤلاء الذين يسألون عن الساعة سخرية أو استهزاء وطنزا أو امتحانا. وكانت الآية الثانية تشير إلى أنهم مخلدون فيها، ومخذولون فلا ولي ولا نصير. فتشمل الغضب الحانق عليهم من أهل الموقف جميعا، فلا حول ولا قوة إلا بالله.[23]
ومازال العذاب مستمر على هؤلاء، وهم في هذه الحالة تتلقى في كل لحظة العذاب الشديد الذي فيه النار تشوي جلودهم حتى إذا نضجت بدلوا جلودا غيرها، تحترق هي أيضا فيذوقوا العذاب الأليم دون انقطاع. فكانوا آنذاك يتأملون عودتهم إلى دنياهم لكي يعملوا الأعمال الصالحة وهم يندمون باتباع رئيسهم الفاجر. قال تعالى في ذكر حالهم يوم ذاك : ] يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوْهَهُمْ فِي النَّارِ يّقُوْلُوْنَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُوْلاَ [[24] فتصور الآيات عن أحوالهم في الآخرة، وجاء بالمضارع ] تُقَلَّبُ[ لحضور صورة الحدث، سواء أكانت في الزمن الماضي أو في المستقبل، لأن دلالته الزمنية عند المحققين هي الحال، لذلك نجد هذه الكلمة تبعث صورة حية ومثيرة، صورة وجوه تتقلب، أي يوم تصرف وجوههم من جهة إلى جهة أو من حال إلى حال أو تغير ألوانهم بلفح النار فتسود تارة وتخضر أخرى أو تبديل جلودهم بجلود أخرى كاللحم يشوى في النار.[25]
فكان مشهد ذلك اليوم على الكفار رهيب ومرعب (والتعبير على هذا النحو يراد به تصوير الحركة وتجسيمها،والحرص على ن تصل النار إلى كل صفحة من صفحات وجوههم زيادة في النكال).[26]
وحينئذ ولشدة حالتهم في الآخرة يسمع منهم صراخا نادما، حيث أنهم : ] يّقُوْلُوْنَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُوْلاَ [ يتمنون أن لو كانوا ممن أطاع الله ورسوله في دنياهم حتى يخلصهم من هذا العذاب، كما جاء في آية أخرى : ] يَوْمَ يَعَضُّ لظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُوْلُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُوْلِ سَبِيْلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيْلاً [[27] وقال أيضا مخبرا عنهم : ] رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا لَوْ كَانُوْا مُسْلِمِيْنَ [[28]
“وكان هذا النداء الممتد في قولهم : ] يَا لَيْتَنِي [ وكذلك هذه الألف التي أضافوها في آخر صراخهم إلى لفظ : ] رَسُوْلاً [ هذا وذاك يفرغان الإحساس بالخيبة والندم، ويطلقان العويل الذي يمتد به صوت المكروب، كما أن المضارع نؤذن بتكرار هذا الصراخ المكروب. فلا فائدة صراخهم وندامتهم، إنهم يودون أن لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا الرسول في الدنيا، فهي أمنية ضائعة، لا موضع لها ولا استجابة، فقد فات الأوان. ولم يبق الحسرة على ما كان. وكانت الألف في "الرسولا" والألف التي ستأتي في "السبيلا" هي الألف التي تقع في الفواصل فيوقف عليها ولا يوصل بها ويسميها النحاة ألف الإطلاق".[29]
ثم تضيف الآية عن اعتذارهم اتباع التقليد وزجر عنه، وانطلق من نفوسهم النقمة على سادتهم وكبراءهم الذين كانوا سببا في إضلالهم. فقال تعالى : ] وَقَالُوْا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَائَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيْلاَ+ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَلْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيْرًا [[30] وهي معطوفة على الجملة ما قبلها جاءت على طريقة الماضي ليس كغيرها من قبل لأنه لم يتكرر بالقدر الذي تكرر به الصراخ الأول، الذي هو تمنى مكروب، وندم كثيب على فوات طاعة الله ورسوله e، وهم في قبضة الله تعالى،وإحساسهم بأهمية طاعته إحساس واضح، وذلك بخلاف غضبهم على مضليهم، فإنه لا فائدة من تكراره بنفس لدرجة، لأنهم يرونهم معهم في السعير. إنهم لا يجدون بدا من الاعتراف من ساداتهم وكبراءهم، إنهم هم الذين دعوهم إلى الضلال، وأغروهم بعد أن زينوا لهم فأطاعوهم. [31]
(والسادة يعني الأشراف والكبراء يعني العلماء أي اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئا وأنهم على شيء فإذا هم ليسوا على شيء).[32]
وقد قيل وهي عام في القادة والرؤساء في الشرك والضلالة، أي أطعناهم في معصيتك وما دعونا إليه، وفى هذا زجر عن التقليد شديد وكم في الكتاب العزيز من التنبيه علي هذا والتحذير منه والتنفير عنه ولكن لمن يفهم معنى كلام الله ويقتدي به وينصف من نفسه لا لمن هو من جنس الأنعام فى سوء الفهم ومزيد البلادة وشدة التعصب.[33]
وقد عرفنا أن هناك كثير من الناس أو طوائف منهم –قديما وحديثا-، من يحاولون ويصرفون طاعة الله عن طاعة الناس إليهم، ومنهم من جعل أنفسهم وأموالهم أرباب من دون الله، ومنهم من يناوئون سلطان الـربوبية، وينصبون أنفسهم فـي الأرض لذلك، وهم من السادة والكبراء والطغاة الذين ينادون إلى الضلال.
وقد ذكر المفسرون معنى السادة أو الكبراء بالقيادات الفكرية التي تأتي وراء الطواغيت من الملوك، والرؤساء، لأنهم قالوا في بيانهم، هم العلماء الذين لقنوهم الكفر وزينوه لهم. أما الناس الذي اتبعوا وراء هذه القيادة الضلالة تقليدا أو أندادا، فسينالون العذاب أيضا، وقد كان المعذبين يعتذرون بأنهم على وجهوا طاعتهم إلى السادة والكبراء، وكأنهم بذكرهم هذين الوصفين يثيرون الشفقة عليهم، ولكن هذا عذر مرفوض، لأن الله تعالى كرم الإنسان حين خلق له عقلا يفكر به تفكيرا مستقلا، فهؤلاء الذين يلقون قيادات نفوسهم إلى يرهم يسحقون العذاب، ولا يعذرون بغفلة ولا غباء. وقد قال تعالى في كتابه : ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُوْنِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّوْنَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِيْنَ آمَنُوْا أَشَدُّ حُبًّا للهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوْا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ للهِ جَمِيْعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيْدُ الْعَذَابِ + إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِيْنَ اتَّبَعُوْا مِنَ الَّذِيْنَ اتَّبَعُوْا
وَرَأُوا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ + وَقَالَ الَّذِيْنَ اتَّبَعُوْا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوْا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيْهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِيْنَ مِنَ النَّارِ [[34] وليس هذا يعني أن كل ملك، أو وال هو شيطان في الأرض، يصرف عن وجهة الله، وإنما يكون كذلك إذا كان يدو الناس، ويسوس على مبادئ المخلوقين ومنهجهم، أما إذا كان يدعو الناس، ويسوسهم على مبادئ الله تعالى وشريعة الله، فهو من الولاة الصالحين الماضين على طريق النبيين.[35]
ولما ندموا على ما فعلهم في دنياهم ورفض الله تعالى شكواهم واعتذارهم بالتقليد على سادتهم وكبرائهم، صور الله تعالى بعد ذلك ما يغلي في نفوسهم من الحقد الذي أدى بهم إلى طلب التشفي من القادة والأمراء والأشراف فقال تعالى : ] رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَلْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيْرًا [[36] (أي يا ربنا عذبهم مثل عذابنا مرتين : عذاب الكفر، وعذاب الإضلال والإغواء إيانا، وأبعدهم عن رحمتك بعدا عظيما كثيرا شديد الموقع).[37] (وقرأت بالباء الموحدة “كبيرا” أي كبيرا في نفسه شديدا عليهم، ثقيل الموقع ؛ وبالثاء المثلثة “كثيرا” أي لعنا كثير العدد عظيم القدر، شديد الموقع).[38]
إنهم يظهرون الندامة على طاعتهم لسادتهم وكبرائهم بدلا من طاعتهم لرسول الله، ولذلك يطلبون من ربهم أن يضاعف لهؤلاء العذاب جزاء لذلك، كما جاء ذلك في آية أخرى : ] قَالُوْا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذِهِ فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ [[39] وقال في أخرى : ] قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلُّوْنَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ [[40]
إنها محاولة لتحميل سادتهم وكبراءهم تبعة ما انحدروا هم إليه من كفر، وفسوق، وتنكر المبادئ السليمة والقيم السامية، لكن الله تعالى قادر على كل شيء وعليم بما يعمل عباده – ظاهرة وباطنة -، وهو شديد العذاب. وقد أعد الله تعالى على الكافرين عذابا أليما، كما أعد لرؤسائهم وكبراءهم العذاب ضعفين : أما أحدهما : لأنهم ضلوا، وأما الثاني : فلأنهم نبوا أنفسهم دعاة الضلال، وحماة للضالين.[41]
هذه هي أحوال الكفار والمضلين في آخرتهم، فاستحقوا عليهم العذاب واللعنة من الله تعالى، وكانت هذه الأحوال بعض من مشاهد الساعة التي توعد الله بها تعالى على الكافرين، وفيها التحذير والإنذار، ولا يستفيد من الإنذار والتحذير إلا من يخافها وهو المؤمن بها،وأمـا
من لا يخافها فكأنه لم ينذر، وصدق الله تعالى في قوله لرسوله e : ] يَسْأَلُوْنَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا + فِيْمَا أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا + إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا + إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ مَنِ يَخْشَاهَا + كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوْا إِلاَّ عَشِيَّةُ أَوْ ضُحَاهَا [[42] وقبل الختام نشير إلى بعض الوقفة وهي (أن الآية من هذا الوجه تحث على النظر المستقبل، والتفكير المفرد، ومهما كانت درجة المشيعين للأفكار، والداعين إلى المذهب، فإن الإنسان لا يكون وفيا بعقله وقلبه إلا إذا نظر في الأمر نظرا يستقل به، وكأن الآية تهدم في نفس المسلم كل عظمة فكرية مدعاة، لكبراء الفلاسفة، والحكماء الذين يناهضون بأفكارهم ومبادئهم الإيمان بالله، أو يناهضون بشرائعهم ومناهجهم منهج الله تعالى وشريعته، وتطالب للمسلم أن يفكر تفكيرا مستقلا، ليست هناك مسلمات فكرية في كل ما يؤثر في سلوك الإنسان وقيادته الأخلاقية والروحية والاجتماعية، إلا أن تكون مستمدة من وحي الله. كل أساسي فكري من شأنه أن يؤثر في السلوك، لا بد أن يفكر فيه المسلم تفكيرا مستقلا، فإن وجده موصولا بالله انقاد له، وإلا طرحه، وهذه هي الفاصلة في موقف المسلم يوم القيامة، لأنه إذا كانت طاعته وقيادته لغير الله تعالى يدخل في زمرة الملعونين، مهما كان جلال الجهة التي ينقاد إليها).[43]
فالمنقذ من أهوال القيامة هو الإيمان بالله والعمل بما أمر والانتهاء عما، قال الله تعالى : ] الَّذِيْنَ آمَنُوْا وَلَمْ يَلْبِسُوْا إِيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُوْنَ [.[44] والله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم.
——————————————————————————–
[1]- [ سورة الأحزاب، الآيات 60-67 ]
[2]- [ أنظر التفسير الحديث ج 8 ص 293 ، وفي ظلال القرآن، ج 5 ص 2882 ]
[3]- [ أنظر التفسير المنير، ج 11 ص115 ]
[4]- [ أنظر تفسير سورة الأحزاب، ص 103 ]
[5]- [ التفسير الحديث ج 8 ص 294 ]
[6]- [ أنظر التفسير القرطبي ج 14 ص 221، والتفسير المنير ج 11 ص 116، وسورة الأحزاب عرض وتفسير، ص 223، وفتح القدير ج 4 ص 306 ]
[7]- [ أنظر التفسير الحديث ج 8 ص 294، وسورة الأحزاب عرض وتفسير، ص 223 ]
[8]- [ سورة الأعراف، الآية 187 ]
[9]- [ أنظر في ظلال القرآن، ج 5 ص 282، وتفسير القرطبي ج 14 ص 221 ]
[10]- [ سورة الأحزاب، الآية 63 ]
[11]- [ سورة القمر، الآية 1 ]
[12]- [ سورة الأنبياء، الآية 1 ]
[13]- [ سورة الأنعام، الآية 1، وانظر تفسير ابن كثير ج 3 ص 520 ]
[14]- [ من أسرار التعبير لقرآني، ص 400 ]
[15]- [ سورة الأعراف، الآية 56 ]
[16]- [ المرجع السابق، ص 234 ]
[17]- [ أنظر فتح القدير ج 4 ص 306 وتفسير البيضاوي ج 4 ص 387 ]
[18]- [ الحديث أخرجه أصحاب السنن بمختلف الألفاظ، منهم "النسائي في سننه" ، في كتاب صلاة الخوف، باب كيف الخطبة، رقم 1578، أنظر "سنن النسائي-المجتبى" ج 3 ص 189، و"ابن حبان في صحيحه"، باب إخبارهe عما يكون في أمته من الفتن والحوادث، ذكر الأخبار ن قرب الساعة من النبوة بالإشارة المعلومة، رقم 16640، أنظر "صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان" ج 15 ص 12، و"أحمد في مسنده"، كتاب من المكثرين من الصحابة، باب حديث أنس بن مالك، رقم 12217، أنظر "مسند الإمام أحمد" ج 3 ص 123، و"ابن خزيمة في صحيحه"، كتاب الجمعة، باب صفة خطبة النبي وبدأ فيها بحمد الله والثناء عليه، رقم 1785، أنظر "صحيح ابن خزيمة" ج 3 ص 143، و"الترمذي في سننه"، كتاب الفتن عن رسول الله e ، باب ما جاء في قول النبي e بعثت أنا والساعة كهاتين..، رقم 2214، أنظر "الجامع الصحيح من سنن الترمذي" ج 4 ص 496، و"مسلم في صحيحه"، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، رقم 867، أنظر "صحيح مسلم" ج 4 ص 592، و"البخاري في صحيحه"، كتاب الطلاق، باب اللعان، رقم 4995، أنظر "مختصر صحيح البخاري" ج 5 ص 2031، و"ابن ماجه في سننه"، باب اجتناب البدع والجدل، رقم 45، أنظر "سنن ابن ماجه" ج 1 ص 17 ]
[19]- [ أنظر في ظلال القرآن، ج 5 ص 2882، ومن أسرار التعبير القرآني، ص 400 ]
[20]- [ الحديث أخرجه "الإمام البخاري في صحيحه"، كتاب الرقاق، باب طلوع الشمس من مغربها، رقم 6141، أنظر "مختصر صحيح البخاري" ج 5 ص 2386، وهو جزء من حديث طويل يدل على أن الساعة تأتي بغتة ]
[21]- [ سورة الأحزاب، الآيتان 64-65 ]
[22]- [ أنظر تفسير ابن كثير ج 3 ص 520 التفسير المنير، ج 11 ص 116-117 ]
[23]- [ أنظر سورة الأحزاب عرض وتفسير، ص 224، ومن أسرار التعبير القرآني، ص 400 ]
[24]- [ سورة الأحزاب، الآية 66 ]
[25]- [ أنظر من أسرار التعبير القرآني، ص 401 وتفسير البيضاوي ج 4 ص 387 وتفسير القرطبي ج 14 ص 222 ]
وفتح القدير ج 4 ص 306 ]
[26]- [ في ظلال القرآن، ج 5 ص 2883 ]
[27]- [ سورة الفرقان، الآية 27 ]
[28]- [ سورة الحجر، الآية 2 ]
[29]- [ أنظر من أسرار التعبير القرآني، ص 402, وفي ظلال القرآن، ج 5 ص 2883، وفتح القدير، ج 4 ص 306، وتفسير القرطبي ج 14 ص 222 ]
[30]- [ سورة الأحزاب، الآيات 67 ]
[31]- [ من أسرار التعبير القرآني، ص 402 ]
[32]- [ تفسير ابن كثير، ج 3 ص 520 ]
[33]- [ أنظر تفسير القرطبي، ج 14 ص 222، وفتح القدير ج 4 ص 306 ]
[34]- [ سورة البقرة، الآيات 165-167 ]
[35]- [ من أسرار التعبير القرآني، ص 402-403 ]
[36]- [ سورة الأحزاب، الآيات 68 ]
[37]- [ التفسير المنير، ج 11 ص 118 ]
[38]- [ تفسير ابن كثير، ج 3 ص 520 ]
[39]- [ سورة ص، الآية 61 ]
[40]- [ سورة الأعراف، الآية 38 ]
[41]- [ انظر سورة الأحزاب عرض وتفسير ص 225 ]
[42]- [ سورة النازعات، الآيات 42-46 ]
[43]- [ من أسرار التعبير القرآني، ص 403-404 ]
[44]- [ سورة الأنعام، الآية 82 ]
أترك تعليقا حتى الآن
أضف تعليقاً
