المبحث التاسع
فضل الذكر والتسبيح والتحميد وأثره في حياة الفرد والمجتمع
قال الله تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيْرًا + وَسَبِّحُوْهُ بُكْرَةً وَأَصِيْلاً +هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلىَ لنُّوْرِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِيْنَ رَحِيْمًا + تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيْمًا [ [1]
هذه لمسة أخيرة من اللمسات التي ذكرتها الآية في الأمر بالذكر على الله تعالى، فتدل على أن هذا الأمر مؤكد بوجوبه. وقد كان قبل هذه اللمسة أمر المؤمنين الذكر الكثير سبيلا في التأسي برسول الله e واتباع سنته وهو أسوة حسنة لهم، كما أن النبي e دائما يستغرق وقته – ليل نهار – على ذكر الله تعالى كل يوم حتى وأنه قال : أنه يستغفر الله تعالى في كل يوم سبعين مرة وفي رواية أخرى مائة مرة[2]. وفي اللمسة الثانية أوجب الله على أزواج النبي e وهن أمهات المؤمنين على الذكر، فكأنه تأكيدا على ما قبله وهو أن ذكر الله تعالى مستلزم على كل بني الإنسان. ثم جاء في ثالثها الذكر على أنه صفة من صفات الفرد المسلم وسمة من سماته بل هي مثله العليا التي علت أعمال سامية مجيدة، وانطبعت صاحبها صورة من الجمال الروحي، وهو يأتي بعد أن ذكر الله تعالى المواصفات الأخرى شروط بناء الفرد الصالح حتى يكون من نفسه الأسرة المسلمة وتكوين المجتمع الصالح. وفي الأخير –في هذه الآية- أمر الله تعالى المؤمنين الذكر الكثير وهو يعني دوامه.
“ومناسبة هذه الآيات بما قبلها ؛ أن هذه الآيات تمضي بعد أن ذكر الله تعالى في مقدمة السورة الأمر على دوام تقوى الله والتوكل عليه واتباع ما أوحي إليه من كتاب وسنة مع مرافقة عدم تولى الأمر إلى الغير إلا الله –جل جلاله – وكانت هذه الأمور من لمسات ذاتية الفرد المسلم أمام خالقه وإعطاء الأمور عليه. أما الآيات التي تأتي بعدها توحي إلى كل مسلم على دوام الذكر إلى الله، وهو أحد وسيلة للتقرب إلى الله والتجانس عليه، فكأن الآية التي قبلها تريد ربط المؤمن مع الله من ظاهره، أما هذه الآيات تربطه من ناحية أخرى وهي من ناحية معنوياته وروحه. وهو ذكر الله تعالى كوسيلة اتصال القلب به، والاشتغال بمراقبته”[3] وقوله تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ [
(اتجهت الآية بالخطاب إلى الفئة المؤمنة، وذلك تشريف عظيم يتردد في كتاب الله كثيرا، مما يحث على الانضمام إلى هذه الجماعة التي كثيرا ما يقبل الله عليها بالنداء الكريم. (إنه النداء الغالب في القرآن، وكأن فيه من تنبيه النفس، وإيقاظ دواخلها قبل إلقاء الأمر ما يشعرها بخطورة هذا الأمر، وهذا الأمر يسبق النداء).[4]
أما الأمر صرحت به الآية فمعلوم وهو الذكر الذي هو مخ العبادة لتضمنه على الدعاء والخضوع التام لله، أمرهم بالداوم على الذكر بالله بما هو جل وعلا أهله من التهليل والتحميد والتقديس والتكبير. “لأن الذكر تغرد به بلابل النفس، ويترسخ به يقينها، ويعظم من الله بلاؤها، وتأخذ منه زادا لا يخذلها، في مواقف صراعها وجلادها لأعداء الفضيلة والخير، وعلى طريقة الله لا يلوي على شيء. وبه تهيأ القلوب لكل ضروب الطاعة، وهو شرط في قبولها عند الله، لأنه يعني النية المتجهة إلى الله تعالى، والعزم الذي يبغي وجه الحق في كل ما يفعل، وهذا أصل في سلوك المسلم”.[5]
ومن هذا المنطلق عنى علماء المسلمين وجوب ذكر الله كثيرا، حيث إنه “هو النتيجة المنطقية المحتومة للإيمان، وهو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، ويجعل المؤمن على صلة دائمة متجددة بربه، ويحمله على الاستحياء منه حق الحياء. ثم هو ميسور للمؤمن في كل وقت وحال، حيث وقد ذكرنا فيما سبق عن هذا فليرجع إليه”.[6]
ولكن ما معنى حقيقة الذكر ؟
الذكر لغة يعني (الصلاة لله تبارك وتعالى، والدعاء إليه).[7] (ويقال ذكر الله بمعنى سبحه ومجده، وذكر اسم الله بمعنى أنه نطق به، وذكر القوم بمعنى أنه وعظهم).[8]
وجاء في فقه السنة لفضيلة الشيخ السيد السابق[9]، أن الذكر هو ما يجري على اللسان والقلب من تسبيح الله تعالى وتنزيهه وحمده، والثناء عليه، ووصفه بصفات الكمال، ونعوت الجلال والجمال.[10]
ولعل من الواضح أن ذكر الله تعالى يراد به ذكر ألوهيته التي لا يشاركه فيه أحد، وعلمه الذي لا يخفى عليه شيء، وقدرته التي تتناول كل ما في الكون، وإنعامه على عباده بالخلق والرزق وسائر ما يحتاجون إليه، وكماله المطلق الذي لا يرقى إليه كمال ولا يدانيه.
ومن هذا (ليس من شك في أن المطالب بهذا الذكر هو قلب الإنسان ولسانه معا، فالذكر باللسان وحده مع غفلة القلب ليس له كبير شأن، واشتغال القلب بالذكر يستتبع تحرك اللسان به، إن لم يكن دائما فبين الحين والحين. وإذا كان القلب هو مصدر الحياة في الإنسان، وهو الموجه لأفكاره وأعماله في هذه الحياة، فإن إصلاح هذا القلب جدير بأن يكون هو شغل الإنسان الشاغل، ولا صلاح للقلب إلا بالذكر).[11]
ويؤكد هذا ما قاله صاحب تفسير البحر المحيط : ” والذكر محملان :
المحمل الأول :
ذكره اللساني فيدخل فيه قراءة القرآن وطلب العلم ودراسته. دل على هذا حديث النبي e حيث قال : (( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِيْ بَيْتٍ مِنْ بُيُوْتِ اللهِ يَتْلُوْنَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُوْنَ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِيْنَةَ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةَ وَكَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيْمَنْ عِنْدَهُ ))[12]
وقال تعالى فيما أخبر عنه رسوله e ((وَإِنْ ذَكَرَنِيْ فِيْ مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِيْ مَلأٍ خَيْرٌ مِنْهُ)).[13] وشمل ما يذكر عقب الصلوات ونحو ذلك من الأذكار.
المحمل الثاني :
الذكر القلبي وهو ذكر الله تعالى عند أمره ونهيه. كما قال عمر بن الخطاب : أفضل من ذكر الله تعالى باللسان ذكر الله تعالى عند أمره ونهيه، وهو الذي في قوله تعالى : ] وَالَّذِيْنَ إِذَا فَعَلُوْا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوْا لِذُنُوْبِهِمْ [[14] فدخل فيها التوبة ودخل فيها الارتداع عن المظالم كلها من القتل وأخذ أموال الناس والحرابة والإضرار بالناس في المعاملات. ومما يوضح شموله كلها هو تقييده بـ ] كَثِيْرًا [ لأن المرء إذا ذكر الله كثيرا فقد استغرق ذكره على المحملين جميع ما يذكر الله عنده.[15]
ولأهمية الذكر في تكوين شخصية المؤمن، ودعمها بالطاقة الربانية الفاعلة، اهتم التشريع الحكيم في أمر هذه العبادة، فحث (القرآن عن الذكر في آيات كثيرة غير هذه الآية، وبين أنه تلين له جلود وقلوب الذين يخشون ربهم، وأنه تطمئن به قلوب الذين آمنوا، وأنه ينهى عن الفحشاء والمنكر أكثر مما تنهى الصلاة عنهما، من حيث إنه لا يرتبط بأوقات معينة، ولا يحتاج إلى الطهارة، ولا يشترط فيه كثير مما يشترط فيها كاستقبال القبلة، وليس من أركانه أن يكون من قيام).[16]
وفي جانب آخر تحدث القرآن في آياته عن وجوب الذكر، وأثنى على الذين تشغلهم عنه ولا تلهيهم أموالهم وأولادهم، وأوجب على المؤمنين أن يذكروا الله كذكرهم آباءهم أو أشد ذكرا، بل أن يكثروا مع ذلك من ذكره في كل وقت، وفي كل حال – هو واجب المؤمن الذي لا يعذر في تركه – قلبا ولسانا، وعلى طهارة وبدون طهارة، ومع استقبال القبلة ودون استقبال لها، وقياما وقعودا وعلى جنوبهم.
وهذا ما عناه حبر الأمة عبد الله بن عباس – رضي الله تعالى عنه – بقوله : (إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحد في تركه إلا مغلوبا على عقله. ومن هنا أمر هم الله تعالى به في الأحوال كلها، وقال تعالى : ] الَّذِيْنَ يَذْكُرُوْنَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُوْدًا وَعَلَى جُنُوْبِهِمْ [[17] وقال أيضا : ] أُذْكُرُوْا اللهَ ذِكْرًا كَثِيْرًا [ أي بالليل والنهار، وفي البر والبحر، وفي السفر والحضر، وفي الغنى والفقر، وفي السقم والصحة، وفي السر والعلانية، وعلى كل حال).[18]
(أما كلمة الذكر الذي حدده الإسلام وعلمه الله تعالى نبيه e وأمته وجعله سيد الذكر هو كلمة ” سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ “. واستدل ذلك فيما رواه عن ابن عباس أنه قال : جَاءَ جِبْرِيْلُ إِلىَ النَّبِيُّe فَقَالَ : يَا مُحَمَّد قُلْ سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ عَدَدَ مَا عَلِمَ وَزِنَةَ مَا عَلِمَ وَمَلأَ مَا عَلِمَ فَإِنَّهُ مَنْ قَالَهَا كُتِبَ لَهُ بِهَا سِتَّ خِصَالٍ كُتِبَ مِنَ الذَّاكِرِيْنَ اللهَ تَعَالىَ كَثِيْرًا وَكَانَ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَكُنَّ لَهُ غَرْسًا فِي الْجَنَّةِ وَتَحَاتَتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَاتَ وَرَقَ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ وَيَنْظُرُ اللهَ تَعَالَى إِلَيْهَ وَمَنْ نَظَرَ اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ كَذَا رَأَيْتُهُ فِيْ مُدَوِّنِهِ فَلاَ تَغْفَلْ).[19]
والذكر أيضا من أفضل الأعمال عند الله تعالى، حيث قال رسول الله فيما رواه الإمام أحمد عَنْ أَبِيْ سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُوْلَ اللهِ أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ دَرَجَةٍ عِنْدَ اللهِ تَعَالىَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ e : ((الذَّاكِرِيْنَ اللهَ كَثِيْرًا وَالذَّاكِرَاتِ ، قُلْتُ : يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَمِنَ الْغَازِيْ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ تَعَالَى ؟ قَالَ : لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِيْنَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَنْتَصِبَ دَمًا، لَكَانَ الذَاكِرًوْنَ اللهَ تَعَالىَ أَفْضَلُ مِنْهُ))[20])[21]
وفي رواية أخرى كنى رسول الله e الذكر بالمواظبة على الصلوات الخمس، وذلك ما روى عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي قال : ((إِذَا اسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ اِمْرَأَتُه فَصَلَيَا رَكْعَتَيْنِ كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِيْنَ اللهَ كَثِيْرًا وَالذَّاكِرَاتِ)).[22]
وقوله تعالى ] ذِكْرًا كَثِيْرًا [هذا توكيد على أهمية الذكر، حيث جاء التعبير بالمصدر والوصف، فكأنه فيه من تنبيه النفس، وإيقاظ دواخلها قبل إلقاء الأمر ما يشعر بخطورة هذا الأمر.
وقد ذكرنا في السابق أن الله تعالى في كثير من المواضع لما ذكر الذكر وصفه بالكثرة إذ لا مانع من الذكر على ما بينا. وهو يعم أغلب الأوقات والأحوال، وهو أن لا ينسى جل شأنه، وأن يذكر بصفاته العليا وأسمائه الحسنى وينزه عما لا يليق به.
وقوله تعالى : ] وَسَبِّحُوْهُ بُكْرَةً وَأَصِيْلاً [والمراد هنا تسبيحه في الأوقات كلها، ولكنه خص هذين الوقتين لأن آيات الحق تتجلى فيهما، فهما المقطعان اللذان يتعاقب عندها الليل والنهار، وهما من آيات الله الكبرى سبحانه : ] فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا [[23].
وقد نبه القرآن إلى هاتين الآيتين في كثير من الآيات، وفيها تتجلى أيضا عظائم نعم الله على الإنسان، فلو أنه سبحانه جعل الليل سرمدا إلى يوم القيامة، فمن إله غير الله يأتيكم بضياء، أو لو أنه سبحانه جعل النهار سرمدا إلى يوم القيامة، فمن إله يأتيكم بليل تسكنون فيه ![24]
وقال الإمام الألوسي : “وتخصيصهما بالذكر ليس لقصر التسبيح عليها دون سائر الأوقات بل لأناقة فضلها على سائر الأوقات لكونها تحضرهما ملائكة الليل والنهار وتلتقي فيها كأفراد التسبيح من بين الأذكار مع اندراجه فيها لكونه العمدة بينها”.[25]
والسر في تخصيص البكرة والأصيل خاصة هو كونه (ما يستجيش القلوب إلى الاتصال بالله، مغير الأحوال، ومبدل الظلام ؛ وهو باق لا يتغير ولا يتبدل، ولا يحـول ولا يزول. وكل شيء يتغير ويتبدل، ويدركه التحول والزوال. وإلى جانب الأمر بذكر الله وتسبيحه، إشعار القلوب برحمة الله ورعايته، وعناية بأمر الخلق وإرادة الخير لهم ؛ وهو الغني عنهم ، وهم الفقراء المحاويج، لرعايته وفضله).[26]
وقوله تعالى : ] هُوَ الَّذِيْ يُصَلِّيْ عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلىَ النُّوْرِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِيْنَ رَحِيْمًا [ (استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من الأمرين).[27] فأفادت مزيدا من الحث على الذكر الوارد في الآية السابقة، كما أنها تهييج إلى الذكر، أي أنه تعالى يذكركم فاذكروه أنتم، كقوله –عز وجل – : ] كَمَا أَرْسَلْنَا فِيْكُمْ رَسُوْلاً مِنْكُمْ يَتْلُوْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيْكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُوْنُوْا تَعْلَمُوْنَ + فَاذْكُرُوْنِيْ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوْا لِيْ وَلاَ تَكْفُرُوْنَ [28][
وفي الآية قال تعالى : ] هُوَ الَّذِيْ يَصَلِّيْ عَلَيْكُمْ [ ولم يقل "يصلي" مباشرة دون جملة الوصل، ذلك ليتحقق بالطريق الأول أنه سبحانه هو الذي تكون منه الصلاة، والرحمة لكم، وأنه لا يكون ذلك عن غيره، فهو الذي يملك الرحمة لكم، والصلاة عليكم.[29]
ووجه الحث على هذا الأمر أن الله تعالى يرحم المؤمنين، ويعطف عليهم، ويغمرهم فيض حكمه، وملائكته المكرمون، يحبون المؤمنين، ويضرعون إلى الله أن يزيدهم رحمة وفضلا، وهذا تكريم يدعوهم إلى الامتثال، والذكر، ودوام التسبيح.
(والصلاة من الله تعالى– كما روى عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما –هي الرحمة ومن الملائكة استغفار ومن مؤمني إنس وجن دعاء. ومنه من يقول بعموم المجاز بأن يراد بالصلاة معنى مجازي عام يكون كلا المعنيين فردا حقيقيا له وهو إما “اعتناء” بما فيه خبر المخاطبين وصلاح أمرهم ، وإما “استعارة”، لأن الاعتناء بشبه الدعاء لمقارنة كل منهما لإرادة الخبر والأمر المحبوب أو “مجاز مرسل” لأن الدعاء تسبب عن الاعتناء وإما الترحم والانعطاف المعنوي المأخوذ من الصلاة المعروفة المشتملة عن الانعطاف الصور الذي هو الركوع والسجود. ولا ريب أن استغفار الملائكة ودعائهم للمؤمنين ترحم عليهم وأن ذلك سبب للرحمة لكونهم مجابي الدعوة).[30]
وقوله تعالى : ] لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلىَ النُّوْرِ [ أي من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة. وقال الطبرسي : (أي من الجهل بالله تعالى إلى معرفته، فإن الجهل أشبه شيء بالظلمة والمعرفة أشبه شيء بالنور).[31]
“فالأمر كله فيه خير كما في هذه الآية أيضا، حيث إن صلاة الله وملائكته تابعة الأمر الذي قبله، وهي معللة بإخراج المؤمنين من الظلمات إلى النور. والظلمات هي دائرة الشك، وانحرافات النفس في مسارب الظلمة، وما في جوها من قلق، ورهبة، وجاءت هنا على طريق الجمع، والنور جاء على طريق الإفراد، وذلك لأن النفس إذا زلت عن منهج الله رأت نفسها في محيط من الضلالات، والأفكار المتصارعة، لا تدري بأي تأخذ، ولا على أي منهج تسير، فكل واحد منها يلطم الآخر، ولا يقوم في محيطها بناء إلا لينهدم، هكذا ترى المناهج، والشرائع التي هي من صنع الإنسان، أما منهج الله ونور الحق، فهو منهج واحد لا تأتيه ضلالة من بين يديه، ولا من خلفه، والنفس هنا تلتزم بمنهج واحد، وتمضي وهي مطمئنة على سبيل واحد”.[32]
أما قوله تعالى : ] وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِيْنَ رَحِيْمًا [ دليل على المراد بالصلاة التي هي الرحمة. (وهو يعني يصلي عليكم ويرحمكم وأنتم لا تذكرونه، فذكر صلاته تحريضا للمؤمنين على الذكر والتسبيح).[33] وكانت هذه الفاصلة (بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن قوله ] يُصَلِّيْ عَلَيْكُمْ [ غير مختص بالسامعين وقت الوحي).[34]
وقوله تعالى : ] تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهَ سَلاَمٌ [ (استئناف آخر ضرب فيه التكريم، وهو ينطوي على مظهرين جليلين. المظهر الأول : هو أن هذه الجماعة تلقى الله وتكرم بالمثول في حضرته، والمظهر الثاني : أن الله تعالى يقبل على هذه الجماعة ويكلمهم ويحييهم بالأمن والسلام في هذا اليوم المفزع، وما أبرها تحية، وما أبردها على قلوب المؤمنين).[35]
(وفي إيجاز التحية هنا بلفظ ] سَلاَمٌ [ وما وراء ذلك من الدلالة على سلطان الربوبية، ثم إلى لفظ مليء جدا، لأنه سلام من قبل الله. حيث إن كل سلام جاء في القرآن من قبل الله تعالى جاء متنكرا، والتنكير فيه للتقليل، على معنى أن القليل من قبله سبحانه كثير كثير .. وحسب المؤمنين فضلا أن يلقاهم الله، ويحييهم ويلقى عليهم رداء الأمن والسلام).[36]
وقوله تعالى : ] وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيْمًا [ "أي وهيأ الله -عز وجل- ثوابا حسنا. والكلام هنا بيان آثار رحمته الواصلة إليهم قبل ذلك، ولعل إيثار الجملة الفعلية على الاسمية المناسبة لما قبلها للمبالغة في الترغيب والتشويق إلى الموعود بيان أن الأمر الذي هو المقصد الأقصى من بين آثار الرحمة موجود بالفعل مهيأ لهم مع ما فيه مراعاة الفواصل".[37]
هذا ما تعرضه الآيات فيما يجب على المؤمن العمل به نحو أيامه ليلا ونهارا، وقد شرع القرآن الكريم وحث عليه في كثير من مواضعه، إذ الذكر له أثر بارز في تكوين الشخصية المسلمة، وفي إيجاد تصوراته في بناء الأسرة والمجتمع على أساس متكامل. كما أن الذكر ليس عمل متعين بالوقت أو الزمان، إنما هو عمل يستطيع أن يعمل به الإنسان في كل الأوقات والأحوال، سواء كان مطهرا أو غير مطهر، قائما أو قاعدا أو مضطجعا، راكبا أو ماشيا، مسافرا أو مقيما، فيلزم عليه أن يجري الذكر في نفسه كما يجري مع أنفاسه. كيف لا، والناس دائم قد يشتغل بالأعمال الشاقة كل يوم، مما يعد له التعب الشديد واحتاج إلى راحة ويؤدي إلى الغفلة عن طاعة ربه – والعياذ بالله -، فلا يلوم الإنسان أن يكون كهذه الحال، ولهذا شرع الذكر وحث على دوامه في كل حال وزمان ومكان، ليكون الإنسان في نفسه دائم الاتصال على الله، ومستمر العبادة عليه.
و(هذا الذكر يكون المؤمن دائما في أنس لله ربه، وقرب من جلاله وعظمته، فلا يمل إلا تحت هذا الشعور المراقب لله، والخائف من عقابه الطامع في رحمته).[38]
وإذا قد توفر عن هذا في نفوس أفراد الناس، فلا استحال أن يكون الوجود الإنساني في دنياه دون جدوى، وتظهر الموازنة بين الكيان الروحي والجسدي، أو الظاهر والباطن، بل وحتى الكيان الدنيوي والأخروي. ثم يأتي بعد ذلك انطباع الأسرة والمجتمع الذي يستجيش قلوب أفرادها مذكرا بالله تعالى، وتتوازن حياتهم كما يتوازن قلوبهم، حتى تطمئن كل كائن في هذه الحياة الدنيا. والله تعالى أعلم.
——————————————————————————–
[1]- [ سورة الأحزاب، الآيات 41-44]
[2]- [ الحديث أخرجه أصحاب روايات الأحاديث وكان أكثرهم ذكروا أن النبي يتوب إلى الله مائة مرة كل يوم وليلة إلا "الترمذي في سننه"، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله، باب ماجاء في الذي يفسر القرآن برأيه، ومن سورة محمد، رقم 3259، أنظر "الجامع الصحيح من سنن الترمذي" ج 5 ص 313، فإنه ذكر أن النبي e قال في حديثه بالتوبة سبعين مرة وفي روية أخرى مائة مرة وكلاهما مروي عن أبي هريرة والنص كالآتي عن النبي e عن أبي هريرة رضي الله عنه واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات فقال النبيe إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة قال هذا حديث حسن صحيح. ويروى عنه أيضا عن النبيe قال إني لاستغفر الله في اليوم مائة مرة، كما ذكر عن هذا "أبو داود في سننه"، في كتاب الصلاة باب الاستغفار، رقم 1514 –ذكر فيه استغفار النبي سبعين مرة- ورقم 1515 –مائة مرة- أنظر "سنن أبي داود" ج 2 ص 84، أما الآخرون فقد أخرجه "ابن حبان في صحيحه"، في كتاب الرقائق، باب الأدعية، ذكر البيان بأن هذا العدد الذي ذكرناه لم يكن المصطفى يقتصر عليه حتى يزيد عليه، رقم 926، أنظر "صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان" ج 3 ص 205، و"مسلم في صحيحه"، في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، رقم 202، أنظر "صحيح سلم" ج 4 ص 2075، و"أحمد في مسنده"، في حديث رجل من المهاجرين، رقم 18320، أنظر "مسند الإمام أحمد" ج 4 ص 261، و"ابن ماجة في سننه"، في كتاب الأدب، باب الاستغفار، رقم 3825، أنظر "سنن ابن ماجه" ج 2 ص 1254 ]
[3]- [أنظر التفسير الكبير، ج 25 ص 214-215، وفي ظلال القرآن ج 5 ص 2871 ]
[4]- [ من أسرار التعبير القرآني ص 357 ]
[5]- [ أنظر المرجع نفسه، ص 356 ]
[6]- [ أنظر سورة الأحزاب عرض وتفسير، ص 164 ]
[7]- [ معجم الوسيط، ص 337 ]
[8] [ الذكر في القرآن الكريم والسنة المطهرة للأستاذ محمود الصباغ، ص 9 ، الطباعة دار الاعتصام ]
[9]- [ الشيخ السيد السابق هو من الدعاة والعلماء المصريين والمعاصرين، له عدة مؤلفات منها فقه السنة ]
[10]- [ فقه السنة للشيخ السيد سابق، ج ص ، دار الريان للتراث، القاهرة، الطبعة الثانية 1411هـ/1990م ]
[11]- [ سورة الأحزاب عرض وتفسير ص 140 ]
[12]- [ حديث طويل روى عنه أبو هريرة أنه قال : قال رسول الله e : من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه. والحديث أخرجه "مسلم في صحيحه"، في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم 2699، أنظر "صحيح مسلم" ج 4 ص 2074، و"أحمد في مسنده"، في كتاب المكثرين من الصحابة، باب باقي مسند أبي هريرة، رقم 7421، أنظر "مسند الإمام أحمد" ج 2 ص 252، و"ابن ماجه في سننه"، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم 225، أنظر "سنن ابن ماجه" ج 1 ص 82، و"أبو داود في سننه"، كتاب تفريع أبواب صلاة السفر، باب في ثواب قراءة القرآن، رقم 1455، أنظر "سنن أبي داود" ج 2 ص 71 ]
[13]- [ الحديث القدسي أخرجه "البخاري في صحيحه"، في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى : "ويحذركم الله نفسه" وقوله "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك" رقم 6970، أنظر "مختصر صحيح البخاري" ج 6 ص 2694، و"الترمذي في سننه"، في كتاب الدعوات عن رسول الله e، باب في حسن الظن بالله جل جلاله، رقم 3603، أنظر "الجامع الصحيح من سنن الترمذي" ج 5 ص 581، و"أحمد في مسنده"، رقم 10229، أنظر "مسند الإمام أحمد" ج 2 ص 470، و"ابن حبان في صحيحه"، في كتاب الرقائق، باب الأذكار، ذكر الله تعالى في ملكوته من ذكره في نفسه من عباده، رقم 811، أنظر "صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان" ج 3 ص 93. والحديث رواه عن أبي هريرة عن رسول الله e عن الله عز وجل، وكان تكملة الحديث فيما يلي : "قال النبيe يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكره في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ]
[14]- [ سورة آل عمران، الآية 135 ]
[15]- [ تفسير التحرير والتنوير ج 10 ص 24 ]
[16]- [ سورة الأحزاب عرض وتفسير ص 138 ]
[17]- [ سورة آل عمران، الآية 191 ]
[18]- [ أنظر تفسير الطبري ج 22 ص 13 ]
[19]- [ روح المعاني ج 22 ص 42 ]
[20]- [ الحديث أخرجه "أحمد في مسنده"، في كتاب المكثرين من الصحابة، باب باقي مسند ابي سيد الخدري، رقم 1138، أنظر "مسند الإمام أحمد" ج 3 ص 75، و"الترمذي في سننه"، في كتاب الدعوات عن رسول الله e ، باب ما جاء في فضل الذكر، رقم 3376، أنظر "الجامع الصحيح من سنن الترمذي" ج 5 ص 458 ]
[21]- [ تفسير ابن كثير ج 3 ص 537 ]
[22]- [ الحديث أخرجه "ابن ماجه في سننه"، في كتاب إقامة الصلاة والسنة يه، باب ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل، رقم 1335، أنظر "سنن ابن ماجه" ج 1 ص 423، و"أبو داود في سننه"، في كتاب تفري أبواب صلاة السفر، باب النوافل، قيام الليل، رقم 1309، أنظر "سن أبي داود" ج 2 ص 33، و"ابن حبان في صحيحه"، في باب النوال، ذكر البيان بأن قوله أيقظ امرأته أراد امرأته، رقم 269، أنظر "صحيح ابن حبان" ج 6 ص 308 ]
[23]- [ سورة الأنعام، الآية 96 ]
[24]- [ إشارة إلى الآيتين 71-72 من سورة القصص ]
[25]- [ روح المعاني ج 22 ص 42 ]
[26]- [ في ظلال القرآن ج 5 2871 ]
[27]- [ روح المعاني ج 22 ص 43 ]
[28]- [ سورة البقرة، الآيتان 151-152 وانظر تفسير ابن كثير، ج3 ص 653 ]
[29]- [ أنظر من أسرار التعبير القرآني، ص 359 ]
[30]- [ روح المعاني ج 22 ص 43 ]
[31]- [ المرجع السابق ج22 ص44 ]
[32]- [ أنظر من أسرار التعبير القرآني ص 361 ]
[33]- [ التفسير الكبير ج 25 ص 215 ]
[34]- [ المرجع نفسه ج 25 ج 215 ]
[35]- [ من أسرار التعبير القرآني، ص 362 ]
[36]- [ المرجع السابق ص 363 ]
[37]- [ روح المعاني ج 22 ص 44 ]
[38]- [ التفسير القرآني للقرآن ج 6 ص 712 ]
