rajulunkarim


معالم المجتمع الإسلامي في سورة الأحزاب (حكم الطلاق قبل المساس)
نوفمبر 19, 2008, 4:29 م
يندرج تحت تصنيف : تفسير القرآن | وسوم:

المبحث الحادي عشر

حكم الطلاق قبل المساس

قال الله تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَا نَكَحْتُمُوا الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوْهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوْهُنَّ فَمَالَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّوْنَهَا فَمَتِّعُوْهُنَّ وَسَرِحُوْهُنَّ سَرَاحًا جَمِيْلاً   [ [1]

 ”وفي هذه الآية نادى الله تعالى المؤمنين لثالث مرة من هذه السورة وهي خطاب لهم على سبيل التشريع والتنبيه يقرر لهم فيه بأنه ليس لهم فرض عدة على الزوجة التي يطلقها زوجها قبل مسها، وبأن على الزوج المطلق أن يؤدي لمطلقته حقها من المتعة وأن يسرحها سراحا جميلا لا أذى فيه ولا ضرر”.[2]

ووجه تعلق هذه الآية بما قبلها ؛ هو أن الآيات السابقة تتحدث عن نساء النبي   e وما ينبغي أن يكون عليهن من طاعة الله ورسوله، والزهد في الدنيا، والطهارة جسديا ومعنويا، إذ إنهن لسن كبقية النساء، والله تبارك وتعالى يريد لهن أن يحفظن الشرف الرفيع وهو انتسابهن إلى رسول الله e حيث أصبحن أمهات للمؤمنين وزوجات الرسول الطاهرات، كما أعقب بعد ذلك قصة “زيد بن حارثة” –رضي الله عنه- وتطليقه “زينب” –رضي الله عنها- التي تزوجها الرسول e بعد ذلك بأمر من الله تعالى وذلك لحكمة جليلة وهي إبطال “بدعة التبني”، فجاء هذه الآية خطاب للمؤمنين بالتشريع عن حكم الزوجة المطلقة قبل المساس، وكيف يجب على المؤمنين أن يفعلوا فيما إذا وقع من ذلك، أو ما هي الأحكام الشرعية التي ينبغي عليهم أن يتمسكوا بها في مثل هذه الأحوال، فهذا هو وجه الارتباط.[3]

“تبدو هذه الآية أنها فصل جديد عن غيرها من فصول السورة، حيث إنها جاءت التشريع ما يتعلق بالطلاق، وهي جاءت موضحة الآيات سورة البقرة حيث قال تعالى : ]  لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوْهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوْا لَهُنَّ فَرِيْضَةً وَمَتِّعُوْهُنَّ عَلىَ الْمُوْسِعِ قَدَرُهُ وَعَلىَ الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوْفِ حَقًّا عَلىَ الْمُحْسِنِيْنَ + وَإِنْ طَلَّقْتُمُوْهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوْهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيْضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُوْنَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِيْ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحَ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُوْنَ بَصِيْرٌ  [[4] التي وردت في صدد المطلقات قبل المساس. وقد احتوت آيات البقرة هذه تشريعا في صدد متعهن ومهورهن دون عدتهن.”[5]

وفي هذه الآية ذكر الله تعالى أحكاما ثلاثة بالنسبة للمطلقة قبل الدخول، وهي كالآتي :

 الحكم الأول هو خاص بالعد ، والحكم الثاني هو خاص بمتعة الطلاق، وهو الأمر بإمتاعهن، وأما الحكم الثالث متعلقة بالتسريح، حيث أمرت الآية بأن يكون المطلق أن يسرحها سراحا جميلا.

وقبل تفصيل هذه الأحكام نلتفت قليلا إلى معنى الكلمة في أول الآية، حيث ذكرت الآية بنداء الفئة المختصة، والذي لا شك فينا أن الله تعالى لما ذكر قوما فدائما يعقب بعده الأحكام أو التشريع، إما هذا التشريع بالأمر أو بالنهي، وإما الحكم بالإيجاب أو التحريم وما إلى ذلك.

وفي هذه الآية نادى الله إلى المؤمنين، وكان هذا النداء كثالث مرة في هذه السورة-كما قلنا من قبل-، وأمر بإجراء الأحكام المتعلقة بالزواج. حيث قال تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَا نَكَحْتُمُوا الْمُؤْمِنَاتِ [

"ولفظ النكاح فيه عدة إطلاقات، وقد ذكر القرآن الكريم هذا اللفظ في كثير من آياته بمعنى ويراد به العقد، وقد يطلق به على الوطء، أو المس، أو الملامسة، أو التغشي، أو الإفضاء، أو المباشرة، أو الدخول، أو إتيان الحرث، أو القربان، أو الاستمتاع، أو الرفث وهلم جرا. ولكن الذي يجري في هذه الآية يراد به – كما يتفق به العلماء – العقد بدليل قوله تعالى بعده : ] مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوْهُنَّ  [، وذلك – كما قال القرطبي – لملابسته له من حيث أنه طريق إليه، ونظيره تسميتهم الخمر إثما لأنها سبب في اقتراف الإثم، ولم يرد لفظ النكاح في القرآن الكريم إلا في معنى العقد لأنه في معنى الوطء، وهو من آداب القرآن الكناية عنه بلفظ "الملامسة، والمماسة، والقربان، والتغشى، والإتيان"[6]

“وتخصيص ذكر المؤمنات في هذه الآية تفيد إلى ما ينبغي على المؤمنين والإشعار بأن الأولى بهم أن يتزوجوا منهن لا من غيرهن، وأن هذا هو الأصل الذي يحسن بهم أن يعدلوا عنه. وليس لفظ الإيمان في هذا القول ] الْمُؤْمِنَاتِ [ للقيد أو الشرط، بل هو لمراعاة الغالب من حال المؤمنين أنهم لا يتزوجون إلا بمؤمنات".[7] وقال الإمام الألوسي في         تفسيره : “وتخصيص المؤمنات مع عموم الحكم للكتابيات للتنبيه على أن المؤمن من شأنه أن يتخير لنطفته ولا ينكح إلا مؤمنة، وحاصله أنه لبيان الأحرى والأليق”[8] وذلك لأن إيمانها يجعلها يحافظ على عفتها ويحجزها عن الوقوع في الفاحشة والشر، فتصون عرض أزواجها وتحفظه في حضرته وغيبته وصدق الله تعالى إذ يقول : ] وَلاَ تُنْكِحُوْا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ [[9]

أما قوله تعالى : ] ثُمَّ طَلَّقْتُمُوْهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوْهُنَّ فَمَالَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّوْنَهَا [ وهذا هو الحكم الأول الذي أريد يه الآية عرضها في هذه المناسبة وهو العدة.

حيث تنص على الحكم بالمرأة التي طلقها زوجها قبل الدخول وهي لا عدة لها، ولا خلاف فيه بين الفقهاء.     

وقد (استدل بعض العلماء بقوله تعالى : ] ثُمَّ طَلَّقْتُمُوْهُنَّ [ وبمهملة ] ثُمَّ [ على أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح، وأن من طلق المرأة قبل نكاحها وإن عينها، فإن ذلك لا يلزمه. وقد روى عن النبي e (( لاَ طَلاَقَ قَبْلَ نِكَاحٍ ))[10] ومعناه : أن الطلاق لا يقع حتى يحصل النكاح). [11]

كما يفيد لفظ ] ثُمَّ [ للتراخي، أي أن الطلاق ينبغي أن يكون بعد تريث وتفكير طويل، ولضرورة ملحة، لأن الطلاق من الأمور التي يبغضها الله، حيث فيه هدم وتحطيم للحياة الزوجية. فالآية ترشد إلى أن الأصل في الطلاق الخطر، وأنه لا يباح إلا إذا فسدت الحياة الزوجية، ولم تفلح وسائل الإصلاح بين الزوجين.[12]   

(والعدة في اللغة مأخوذة من العد، لأن المرأة تعد الأيام التي تجلسها بعد طلاق زوجها لها أو وفاته. أما معناها في شرع العلماء هي المدة التي تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها، أو للتعبد، أو للتفجع على زوج مات).[13] ولهذا المعنى الشرعي نعرف الحكمة في أن مشروعية العـدة للمطلقة أو على زوج مـات، أنها حق للـزوج لأن في ذلك استبراء لرحم مطلقة، وحياطة في حفظ نسب الولد وحق أبيه، وذلك أساس في تماسك كيان الأسرة، تنقية الأنساب وبعد بها عن كل ما يكدرها، حتى تتواصل قلوب الآباء بالأبناء في جو من الوثاقة والاطمئنان، وحتى يقوم الآباء بواجبهم نحو الأبناء من أن تدور في النفس نبضة شك.

ونلاحظ هنا، أن عبارة الآية تتضمن أمرا هاما جدير بالتسجيل. فالآية قيدت الطلاق بهذا القيد ] مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوْهُنَّ [، فلم تتعرض للخلوة الصحيحة بين الزوجين وما يترتب عليها إن وقع الطلاق قبل الدخول، ولعل سكوت الآية عن الخلوة كان هو السبب في خلاف الفقهاء حول آثار الخلوة وما يترتب عليها من شروط تلك الخلوة.

"وقد ذهب بعض من علماء الأحناف والجمهور : إلى أن لها حكم الدخول من حيث إيجاب المهر لها كاملا إذا طلقت، وذلك لأن من مقصود الخلوة الصحيحة هو أن ينفرد الزوجان في مكان يمنان فيه إطلاع أحد عليهما، دون أن يكون واحدا منهما مانع شرعي أو مانع صحي، كصيام أو حيض أو وجود مرض لا يستطيع معه تحقيق الدخول الحقيقي. فعليه توجب العدة والمهر كالدخول الحقيقي، وقد استدل أبو حنيفة على ذلك بقوله : "قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أغلق الباب وأرخي الستر فقد وجب المهر".[14] كما استدل بالحديث عن رسول الله  e أنه قال : ((مَنْ كَشَفَ خُمَارَ اِمْرَأَةٍ وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَجَبَ الصَّدَاقَ)).[15] 

وذهب الإمام مالك والإمام الشافعي إلى أنها ليس لها حكم الدخول، لأن المسيس هنا كناية عن الجماع، ولم يختلف في هذا أحد، فما لم يقترن بالخلوة مسيس لم توجب شيئا من المهر وهذا هو النطق وظاهر الآية”.[16]

ونرجح من هذا الاختلاف ما ذهب به الجمهور بأن الخلوة الصحيحة -وإن لم يتحقق بها الدخول- وجب عليه الصداق أو المهر كلها، وذلك لظهور أدلتهم القوية، كما أن الخلوة معتبر عنها البقاء مع زوجته عاما كاملا، يبيت معها في فراش واحد، ولهذا يلزم عليه دفع المهر كاملا، ويلزم عليها بالعدة، اعتبارا الخلوة الصحيحة ودفعا للنزاع والخلاف”.[17] وهذا ما يقوله ابن العربي ما نصه : “الدخول على الزوج  بالمرأة وعدم الدخول بها إنما يعرف مشاهدة بإغلاق الأبواب على خلوة”.[18] كما يؤكد الجصاص في كتابه : “إن الخلوة مرادة بالمسيس وإن نفي الخلوة متعلق بنفي الخلوة والجماع”.[19]

أما الحكم الثاني فيما يجب على الزوج نحو مطلقته هو إبفاء متعة الطلاق، كما قال تعالى في سياق الآية : ]  فَمَتِّعُوْهُنَّ [ أي أعطوهن المتعة.

و(صيغة الآية تلهم أن الحث على الرفق بالمرأة وأداء حقها وحسن معاملتها في حالة طلاقها هو هدف رئيسي فيها. وهذا متسق مع النصوص القرآنية العديدة التي استهدفت ذلك أيضا).[20]

والمتعة في الأصل ما يتمتع به من مال أو ثياب. وهي منحة يقدمها المطلق حسب استطاعته. وقد أمر الله تعالى به لأن لها قيمتها النفسية بجانب كونها نوعا من التعويض للمرأة، فإن انفصام عقدة النكاح قبل ابتداء آثاره ينشئ جفوة ومرارة في نفس المطلقة، يجعل الفراق طعنة عداء وخصومة، ويفتح أمام السفهاء باب الأقاويل والافتراءات، والمتعة التي يقدمها الزوج المطلق من شأنها أن تلطف الجو الملبد بالأسى، وأن تضفي عليه نسمات من الود والمعذرة، وتخلع على الطلاق جو الندم والأسف، وتغلق باب الأقاويل والأكاذيب.

وظاهر الآية توحي إيجاب المتعة للمطلقة قبل الدخول سواء فرض لها أو لم يفرض لها مهر، ويقوي هذا الظاهر قوله تعالى : ] وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوْفِ حَقًّا عَلىَ الْمُتَّقِيْنَ [[21]

وقد بينت الآيات في سورة البقرة أن متعة المطلقة قبل الدخول مشروطة بعدم فرض مهر معين لها. وذلك قوله تعالى : ] لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوْهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوْا لَهُنَّ فَرِيْضَةً وَمَتِّعُوْهُنَّ عَلىَ الْمُوْسِعِ قَدَرُهُ وَعَلىَ الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوْفِ حَقًّا عَلىَ الْمُحْسِنِيْنَ [[22] 

أما إذا كانت المطلقة، قبل الدخول قد فرض لها مهر معين فلها نصف المهر المعلوم فقط وهو متعها..ولها أو لوليها إن كانت صغيرة أن تعفو وتترك ما فرض لها بحكم الشرع. والتنازل عن نصف المهر أو عن جزء منه في هذه الحالة هم تنازل الراضي القادر العفو السمح الذي يعفو عن مال رجل قد انفصمت منه عروسه، والعفو أقرب للتقوى، وأوصل لحبل المعروف والود، وذلك قوله تعالى: ] وَإِنْ طَلَّقْتُمُوْهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوْهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيْضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُوْنَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِيْ بِيَدِهِ عُقْدَةَ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُو أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُوْنَ بَصِيْرٌ  [[23]

وقد اختلف العلماء في وجوب المتعة واستحبابها نظرا لظاهر الآية التي تدل أحيانا  على الفرض على الإطلاق، وفي بعض الأحيان تدل على إيجاب المتعة عند عدم ذكر المهر المفروض له، وفي ثالث أن الآية لم تنص أصلا على المتعة.[24]

أما الحكم الثالث فيما يستنبط به هذه الآية هو السراح الجميل، حيث جاء في فاصلة  الآية : ]  وَسَرِحُوْهُنَّ سَرَاحًا جَمِيْلاً [. أي أتركوهن في جو من حسن المعاملة، وكرم الخلق.

وأصل التسريح – كما قال الإمام الألوسي - : "أن ترعى الإبل السرح وهو شجر له ثمرة ثم جعل لكل إرسال وإخراج، والمراد تركهن وعدم حبسهن في منزل الزوجية".[25] فالسراح الجميل (يكون بالتلطف مع المطلقة بالقول، وترك أذاها، وعدم حرمانها مما وجب لها من حقوق، والإحسان إليها).[26]

وكانت هاتان الكلمتان – من ناحية المعنى اللغوي– فيها التلبس ، إذ أن مادة التسريح استعملت في كثير من آيات القرآن الكريم بمعنى التطليق، فليس من السائغ إرادة هذا المعنى هنا، ولا إرادته يقيد أن يكون ] جَمِيْلاً[  ؛ لأن صدر الآية تتحدث عن المطلقات قبل الدخول، وتقرر أنهن لا عدة عليهن، وتأمر بإمتاعهن، ولا يمكن أن يكون طلاقهن جميلا.

وفسر القاضي البيضاوي[27] هذا الأمر، أي ]  وَسَرِحُوْهُنَّ [ بقوله : "أخرجوهن من منازلكم، إذ ليس عليهن عدة"  وفسر ] سَرَاحًا جَمِيْلاً [ " أي من غير ضرر ولا منع حق".[28] وقال الجصاص في أحكامه : “والأظهر أن هذا التسريح ليس بطلاق ولكنه بيان أنه لا سبيل له عليه تخليتها من يده وجباله وبالله التوفيق”.[29] كما يلطف الطبري في هذا المعنى بقوله : “أي وخلوا سبيلهن تخلية بالمعروف، من غير ضرر ولا إيذاء، ولا هضم لحقوقهن”.[30] وقال أبو حيان : ” السراح الجميل  : هو كلمة طيبة دون أذى ولا منع واجب”[31]. 

هذه هي أحكام الطلاق لمن عقد نكاحا ولم يدخل بها في القرآن الكريم عند تنظيم الأسرة، حيث جاء في سياق السورة في صدد تنظيم الحياة العامة للجماعة المسلمة، وهو تشريع دقيق يتسم بالعدل والإحسان، لأنه جاء من لدن الحكيم الخبير جل وعلا. وكانت العدة ليست حقا للزوج والآباء فحسب، إنما هي كذلك حق الله، فلو تساهل الزوج وأهدر حقه فيها لا يجوز للمطلقة التحلل منها، وبذلك تحاط الأرحام هذه الحياطة المقدسة تكريما للإنسان.

كما أن الآية تعطي لنا أحكاما ذات منهجية متناسقة مع فطرة الإنسان، وهي أحكام الله تعالى وحدوده. ولما كان الحكم من الله تعالى، فلا غرو في أن يجد الإنسان التناسق والتناسب والتلاؤم بل والتجانس في فطرته الإنسانية، وفي حياته الدنيوية، وفي إعداد حياته الأخروية. والله تعالى أعلم.

——————————————————————————–

[1]- [ سورة الأحزاب، الآية 49]

[2]- [ أنظر سورة الأحزاب عرض وتفسير، ص 175 والتفسير الواضح ج 8 ص 273 ]

[3]- [ أنظر تفسير القرطبي ج 14 ص 202 ]

[4]- [ سورة البقرة، الآيتان 236-237 ]

[5]- [ أنظر التفسير الواضح ج 8 ص 274 ]

[6]- [ أنظر سورة الأحزاب عرض وتفسير، ص 175، وتفسير القرطبي، ج 14 ص 203 وتفسير آيات الأحكام للصابوني ج 2 ص 284 ]

[7]- [ أنظر تفسير آيات الأحكام للصابوني، ج 2 ص 285، وسورة الأحزاب عرض وتفسير ص 177 ]

[8]- [ روح المعاني، ج 22 ص 48 ]

[9]- [ سورة البقرة، الآية 221 ]

[10]- [ الحديث أخرجه "ابن ماجه في سننه"، في كتاب الطلاق، باب لا طلاق قبل النكاح، رقم 2048، أنظر "سنن ابن ماجه" ج 1 ص 660 ]

[11]- [ تفسير القرطبي، ج 14 ص 203 ]

[12]- [ أنظر روح المعاني ج 22 ص 48، وتفسير آيات الأحكام للصابوني ج 2 ص 288 ]

[13]- [ أنظر تفسير آيات الأحكام، ج 2 ص 285 ]

[14]- [ أنظر سورة الأحزاب عرض وتفسير، ص 176-177 ]

[15]- [ الحديث أخرجه الدار قطني في سننه عن ثوبان عن رسول الله e ]

[16]- [ أنظر تفسير القرطبي، ج 14 ص 203 ]

[17]- [ أنظر تفسير آيات الأحكام للصابوني، ج 2 ص 292-293 ]

[18]- [ أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 1551-1552 ]

[19]- [ أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 364 ]

[20]- [ التفسير الحديث ج 8 ص 274 ] 

[21]- [ سورة البقرة، الآية 241 ]

[22]- [ سورة البقرة، الآية  236 ]

[23]- [ سورة البقرة، الآية 237 ]

[24]- [ أنظر تفسير آيات الأحكام للصابوني، ج 2 ص 295، وقد ذكر الشيخ أن الخلاف في هذه المسألة وجود تعارض في ظاهر الآيات التي تنص على وجوب المتعة على المطلق، وقد ذكر فيه ثلاثة مذاهب، منها مذهب الحسن البصري الذي يقول إنها واجبة لكل مطلقة فرض لها مهر أم لم يفرض لها مهر عملا بظاهر الآية. أما المذهب الثاني يقول الحنفية والشافعية وفيه مذهب ابن عباس ؛ أن المتعة واجبة للمطلقة قبل الدخول التي لم يفرض لها مهر . وأما الثالث فهو مذهب المالكية الذي يقول أنها مستحبة للجميع وليست واجبة لأحد من النساء ، ولكن الذي يرجحه صاحب الكتاب والباحث ما ذهب به الفريق الثاتي، وذلك لثبوتهم في جمع بين الأدلة القوية، والله أعلم ]

[25]- [ روح المعاني، ج 22  ص 51 ]

[26]- [ تفسير آيات الأحكام، ج 2 ص 286 ]

[27]- [ البيضاوي هو أبو سعيد أو أبو الخير، ناصر الدين : عبد الله بن عمر الشيرازي، ولد في المدينة البيضاء قرب شيراز، ولى قضاء شيراز مدة، وهو علامة ومفسر، وله مصنفات عديدة منها : "أنوار التنزيل وأسرار التأويل ويعرف بتفسير البيضاوي" و"منهاج الوصول إلى علم الأصول" و"الغاية القصوى في دراسة الفتوى" وتوفي سنة 685 ] أنظر “البداية والنهاية” (13/309)، و”بغية الوعاة” (286)، و”الطبقات الشافعية” للسبكي (5/59)   

[28]- [ أنظر التفسير البيضاوي ج 1 ص 380 ]

[29]- [ أحكام القرآن للجصاص، ج 3 ص 265 ]

[30]- [ تفسير الطبري ج 20 ص 321 ]

[31]- [ تفسير البحر المحيط، ج 14 ص    ]