المطلب الثاني
النهي عن ارتكاب الفاحشة
قال تعالى : ] يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفُ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنَ وَكَانَ ذَلِكَ عَلىَ اللهِ يَسِيْرًا + وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُوْلِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَاَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيْمًا [[1]
وبعد أن أمر الله تعالى النبي e بالتخيير على أزواجه بين الاستقرار أو البقاء بشرط أن يخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وبين الحياة الدنيا وزينتها بشرط أن يفارقن النبي e بعد ذلك، وقد كن اخترن الله تعالى ورسوله، نجد بعدها البيان عن الجزاء المدخر لأزواج النبي e وفيه خصوصية لهن وعليهن، تناسب مقامهن الكريم، ومكانتهن من رسول الله e المختار، فناسب الآية بعدها تأديبا وتنبيها ثانيا على هذه المنزلة، تهديدا وتنديدا عليهن لمن جاء بالفاحشة فيجزي لهن عقابا مضاعفة كما أن من يفعل منهن الخير يعطي لهن أجرا عظيما.
وقد وجه الله تعالى الخطاب في هاتين الآيتين إلى زوجات النبي e مباشرة بعد أن كانت مخاطبته لهن على نساء رسول الله e، وذلك لإظهار الاعتناء بأمرهن وبيان مكانتهن وعلو قدرهن عند الله بعد أن اخترن الله تعالى ورسوله e والدار الآخرة. كما أن الآية أرادت معالجة قضية من أعضل القضايا التي تعاني منها المجتمعات الإنسانية، وهي قضية الأخلاق وسلوك النساء، ولذلك آثر هنا لفظ النساء ولم يذكرن بلفظ الأزواج.
ولو كانت هذه الآية تخصص بأزواج النبي e بالنسبة لمكانتهن العالية وشرفهن الكريمة، فهن تفرق العذاب إن ارتكب الجريمة أو الفاحشة والأجر العظيم إن اتقين لله ورسوله e ، (ولسن هن عند الله تعالى كسائر النساء وبخاصة إن اتقين. ومن أجل هذا فعذابهن على ما يقترفن من إثم ومعصية، وثوابهن على ما يفعلن من صالح ويظهرن من الطاعة لله ولرسوله e مضاعفان)،[2] لا محالة في شملهن على نساء المؤمنين بل وجميع المؤمنين بتحديد خاص أي أنهم ينبغي عليهم الطاعة فيما أمر الله بهم ورسوله e واجتناب نواهيهما، وأنهم يوعد لهم بالأجر العظيم إن امتثل الأوامر وبالعذاب إن يعصوا الله تعالى. وقد تخص هذه اللمحة عليهن دون غيرهن بأن من يأت بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين. ولكن مما يجدر بالذكر أن هذه الصورة قد تشتمل على غيرهن وهو حضور الارتكاب عن ذات الفاحشة وهي ما نهى عنه الله تعالى لجميع إنسان عاقل.
وفي قوله تعالى : ] مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ [ أي لا ينبغي عليهن إيتاء الفاحشة مهما قلت وصغرت، ولا يكون لهذا النهي كونهن قد يقع قبلها في أول النظر، لأن الأنبياء صان الله زوجاته عن الفاحشة. ويدل ذلك تقدير شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع لقوله تعالى : ] وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلىَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [[3] وقوله تعالى : ] وَلَوْ أَشْرَكُوْا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ [[4] وقوله تعالى : ] قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِيْنَ [[5] وقوله تعالى : ] وَلَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [.[6]
ومعنى ] الفَاحِشَةَ [ كما قال ابن عباس هي النشوز وسوء الخلق. أما الفاحشة المبينة كما ذكرها في هذه الآية وفي آيات أخرى لها عدة معان ؛ إذا وردت معرفة فهي الزنى واللواط. أما إذا وردت منكرة فهي سائر المعاصي. وأما إذا وردت منعوتة فهي عقوبة الزوج وفساد عشرته). [7]
والذي يهمنا من هذه التأويلات أن معنى الفاحشة تعم جميع المعاصي. وذلك لأن الفاحشة قد تكون صغيرة وكبيرة، وقد تكون محتملا بالكفر أو غيره، ولذا تعم.
وقوله تعالى : ] يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ [
قال قتادة : أي في الدنيا والآخرة. وكلمة "يضاعف" و"يضعّف" قيل : بمعنى واحد، أي يجعل ضعفين، ويدل على هذا قوله تعالى : ] نُؤْتِها أَجْرَهَا مَرّتَيْنِ [[8] ولا يكون العذاب أكثر من أجر، حيث قال تعالى في موضع آخر : ] آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِن الْعَذَابِ [[9] أي مثلين. ويؤكد عن ذلك ما قال القشيري : (أنه أراد بالضعفين المثلين، لأنه قال بعد هذه الآية : ] نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ [.[10]
وقد تكون هذه الصيغة -التثنية- مستعملة في إرادة الكثرة كقوله تعالى : ] ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إَلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيْرٌ [[11] والبصر لا يرجع خاسئا أو حسيرا من مرتين، والتثنية في كلام العرب كناية عن التكثير. كقولهم : لبيك وسعديك، والمعنى : يضاعف لها العذاب أضعافا كثيرة.
ونرجح من هذا الخلاف القول الثاني في أن المراد بمضاعفة العذاب ضعفين - والله أعلم بمراده-ليس المثلين، ولا ثلاثة، وإنما هي مضاعفات تبلغ أقصى المدى في النكال، والعذاب. وذلك لأن الآية الكريمة تشير إلى أزواج النبي e وهن أمهات المؤمنين، وكلما أوغل الأسلوب في المبالغة بالوعيد على حد ما بينا وصف من هذا الوجه نفسه المبالغة في بيان أقدارهن عليهن، ومرجع ذلك إلى أن عقوبة الإثم تتأثر تأثرا واضحا بأقدار فاعليها، فكلما صعد درجة الفضل، والكمال، كان هويه إلى المعصية أوضح وهو بالعقاب والزجر أولى. كما أن العالم إذا أتى بفاحشة يضاعف له العذاب دون غيره من الجاهل.
وقوله تعالى : ] وَكَانَ ذَلِكَ عَلىَ اللهِ يَسِيْرًا [ أي سهلا هينا أي (ليس كونكن تحت النبي e وكونكن شريفات جليلات مما يدفع العذاب عنكن، ليس أمر الله تعالى كاسر الخلق حيث يتعذر عليهم تعذيب الأعزة بسبب كثرة أوليائهم وأعوانهم أو شفعائهم وإخوانهم).[12]
(هذا مما حذر الله تعالى على نساء النبي e على فعل الفاحشة التي هي تؤدي إلى إنزال مرتبة زوجه ومكانته العليا وهي النبوة، وكذلك لحالتهن العليا ؛ كأمهات سائر المؤمنين وهن القدوة والأسوة بعد رسول الله e ولا سيما على بنات المؤمنين أو أزواجهم. وذلك لما كان أزواج النبي e في مهيأ الوحي وفي منزل أوامر الله تعالى ونهيه، قوي الأمر عليهن ولزمهن بسبب مكانتهن أكثر مما يلزم غيرهن فضوعف لهن الأجر والعذاب. إنما ذلك لعظم الضرر في جرائمهن بإيذاء رسول الله e، حيث قال تعالى : ] إِنَّ الَّذِيْن يُؤْذُوْنَ اللهَ وَرَسُوْلَهُ لعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [[13])[14]
وكانت هذه الأحكام - كما قلنا لم تختص عليهن فحسب إنما هي تشتمل على الآخرين من المؤمنين والمؤمنات إذ “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب” فلا يلتفت لمن يرتكب المعاصي من مراقبة الله تعالى فإن شاء عفا عنه وإن شاء عذب عنه.
ومن حكمة هذه الأحكام أيضا أن العلماء أو الأحرار أو الأمراء والكبراء ممن عرف الأحكام الشرعية ضعف لهم العذاب إذا اقترف المعاصي وليس الحالة من العوام أو العبيد أو لمن لا يعرف الأحكام الشرعية إذا حد حدودا، وذلك لكونهم من الفئة الأولى حق المعرفة على الأحكام -من أمر أو نهي- التي أمر الله تعالى بها أو نهى عنها.
وبعد أن حظر الله تعالى نساء النبي e وغيرها فعل الفاحشة، ذكر بعدله وفضله في قوله تعالى : ] وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُوْلِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَاَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيْمًا [ [15] هي بيان لزيادة قرابتهن كما بين زيادة عقابهن، وهذه الآية ترغيب لهن في أمر التقوى التي تلزمها المداومة والاستقامة، حيث جعل لمن فعل بها لله تعالى بمضاعفة الأجر والثواب فتناسب الآية بالتي قبلها.
أعقب الوعيد بالوعد التي لا تتناهى، وما وراء ذلك من سكينة القلب، وقرار النفس، والعمل الصالح والرزق الكريم. فكلها تبعث في النفوس معاني الرضا، والطمأنينة، وتملأ القلب شعورا بالخير والأمل.
وقوله تعالى : ] وَمَنْ يَقْنُتَ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُوْلِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا [ وقد ورد كلمة القنوت في لسان الشرع والقوم بمعان كثيرة، ولا نريد أن نطيل فيما يختلف به الناس بهذه الكلمة بل ونلخص فيما يوفقه الأمة ويناسبه الواقع في أن القنوت التي أرادها الله تعالى ورسوله e لنسائه وللآخرين هي الطاعة والخضوع، فالطاعة يتمثل بها العمل الصالح الذي هو الترجمة العملية للطاعة والخضوع، وهما تعمان على جميع الأعمال التي شرع الله تعالى ورسوله e كالقيام بالصلاة والصيام وإيتاء الزكاة وغيرها، ولكن ليست هي بذاتها فحسب، لكن العمل الصالح هو ما يصلح به صاحبه أمرا من أمور الدنيا، التي تعود على المجتمع المسلم خاصة، والمجتمع الإنساني عامة بشيء من النفع والصلاح كنوع من القنوت.
وقوله تعالى : ] نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ [ (في مقابلة قوله تعالى : ] يُضَاعَفْ لَهَا
الْعَذَابُ ضَعْفَيْنِ [ مـع لطيفة وهي أن عند إيتاء الأجر ذكر المولى وهو الله جل شأنه،
وعند العذاب لم يصرح بالمعذب فقال : "يضاعف" ، إشارة إلى إكمال الرحمة والكرم ، كما أن الكريم الحي عند النفع يظهر نفسه وفعله، وعند الضرر لا يذكر، أي الذي يستحق على ذلك فضلا وكرما).[16] كما أسند الإتيان إلى ذاته الشريفة، ليكون إتيانا جذلا، وعطاء وفرا.
(وإنما قيل ] نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ [ دون يضاعف لها الأجر كما قيل في المقابل ] يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضَعْفَيْنِ [ لأن أصل تضعيف الأمر ليس من خواصهن بل كل من عمل صالحا من النساء والرجال من هذه الآية يضاعف أجره… كما إن تضعيف أجرهن لمزيد كرامتهن على الله تعالى مما عليهن من النسبة إلى خير البرية عليه من الله تعالى معا).[17]
وقوله : ] وأعتدنا لها رزقا كريما [ (أي في الجنة، ووصف "رزق" الآخرة يكون "كريما" مع أن الكريم لا يكون إلا للرزاق إشارة إلى معنى لطيف، وهو أن الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس ؛ التاجر يستر رزقه من السوقة، والعاملين والصناع من المستعملين، فالرزق لا يأت بنفسه، وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار. وأما في الآخرة فلا يكون له مرسل وممسك في الظاهر فهو الذي يأتي بنفسه، فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرزاق وفي الآخرة يوصف بالكريم نفس الرزق).[18]
——————————————————————————–
[1]- [ سورة الأحزاب، الآية 30،31 ]
[2]- [ المرجع نفسه، ج 25 ص 259 ]
[3]- [ سورة الزمر، الآية 65 ]
[4]– [ سورة النساء، الآية 88 ]
[5]– [ سورة الزخرف، الآية 81 ]
[6]– [ سورة الزمر، الآية 4 ]
[7]- [ تفسير القرطبي ج 7 ص 176 ]
[8] – [ سورة الأحزاب ، الآية 31 ]
[9]- [ سورة الأحزاب، الآية 68 ]
[10]- [ تفسير القرطبي ج 7 ص 175، ولطائف الإشارات للقشيري ج 3 ص 160 ]
[11]- [ سورة الملك، الآية 4 ]
[12]- [ التفسير الكبير ج 25 ص 207 ]
[13]- [ سورة الأحزاب، الآية 75 ]
[14]- [ تفسير القرطبي ج 7 ص 174 ]
[15]- [ سورة الأحزاب، الآية 31 ]
[16]- [ التفسير الكبير ج 25 ص 208 ]
[17]- [ روح المعاني ج 22 ص 2 ]
[18]- [ تفسير ابن كثير ج 3 ص 530، والتفسير الكبير ج 25 ص 208 ]
