rajulunkarim


معالم المجتمع الإسلامي في سورة الأحزاب (جانب من خصوصيات رسول الله)
نوفمبر 19, 2008, 4:36 م
يندرج تحت تصنيف : تفسير القرآن | وسوم: ,

المبحث الثاني عشر

جانب من خصوصيات رسول الله

قال الله تعالى : ] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُوْرَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِيْنُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَاَ خَالِصَةً لًكَ مِنْ دُوْنِ الْمُؤْمِنِيْنَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلاَ يَكُوْنَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُوْرًا رَحِيْمًا  +تُرْجِيْ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ  وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَلاَ يَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوْبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيْمًا حَكِيْمًا +   لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدِ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِيْنُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شيْءٍ رَقِيْبًا [  [1]

“هذه الآيات الثلاث تتحدث عن جانب من خصوصيات النبي  e دون غيره من المؤمنين، وهي مؤذن من الله تبارك وتعالى، وكانت هذه الخصوصيات ؛ جواز تعدد الزوجات التي أحل الله تعالى لرسوله e من أصناف النساء، وقد أحل الله تعالى عمن أحللن لرسوله e من النساء أزواجا، وما اختص به من زواج المرأة إن وهبت نفسها دون مهر. وتبين السر في هذه الخصوصية وهو رفع الحرج والضيق عنه. كما تبين ما اختص به لرسول e في معاملته مع أزواجه، والسر فيه “.[2]

(ووجه العلاقة بين هذه الآيات بالتي قبلها هي أن الآية السابقة تكلمت عن أنكحة المؤمنين وما يترتب عليها من أحكام، وهنا خصص الكلام لنساء النبي e اللاتي يحل له نكاحه معهن، وقصر التحريم عليها، وتقسيمه في القسم بين الزوجات دون إلزام، بالمبيت عند من يشاء، وترك البيتوتة عند من يريد، وزواجه بهبة المرأة نفسها له بغير صداق، مما يجري مجرى القبول، وكل من ترك إيجاب القسم والزواج بلفظ الهبة من خصوصية النبي  e  دون المؤمنين).[3]

وفي الآية الأولى قال تعالى : ] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُوْرَهُنَّ …الخ [  هي "خطاب للنبي بشأن أنكحته على سبيل التشريع، وأن الله تعالى قد أحل له زوجاته اللاتي تزوج بهن سواء أكن اللائى أدى مهورهن من بنت أعمامه وعماته وأخواله وخالاته المهاجرات معه أم اللائى وهبن أنفسهن له، أم اللائى هن ملك يمينه مما أفاء الله تعالى عليه من سبي الأعداء، وأن هذا مباح له على وجه التخصيص دون سائر المؤمنين الذين شرع لهم ما شرع في آيات أنزلها قبل هذه الآيات حتى لا يكون في حرج وإشكال من أمر زوجاته وحياته الزوجية والله غفور رحيم".[4]

وكانت هذه الآية ذكرت عن أربع مجموعات أو فئات من النساء اللاتي أباح الله تعالى لنبيه e الزواج بهن، وهي في الوقت نفسه تشريع على الأمة التي تليه، كما أن هناك – من هذه الآية – بعض المقتطفات التي يرى الباحث شيئا بارزا ينبغي أن يهتم به. وقد اختلف العلماء في هذا المقطع من الآية فقال الضحاك : “إن الله أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها فتكون الآية مبيحة لجميع النساء ماعدا ذوات المحارم”. وقال الجمهور : المراد أحللنا لك أزواجك الكائنات عندك لأنهن قد اخترنك على الدنيا وزينتها وهذا هو الظاهر لأن قوله أحللنا وآتيت ماضيان وتقييد الإحلال بإيتاء الأجور ليس لتوقف الحل عليه لأنه يصح العقد بلا تسمية ويجب مهر المثل مع الوطء والمتعة مع عدمه فكأنه لقصد الإرشاد إلى ما هو أفضل”.[5]

وفي المقطع الأول دلت الآية على أن الحكم – وقد ذكرنا من قبل – لله وحده، ولا يملك أحد سلطة التشريع، دل ذلك في مقدمة قوله تعالى : ] إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ [ أي الإباحة. وقد صدر هذا الكلام من الله مباشرة، وهو يدل على أن التحريم والتحليل خاص به سبحانه وتعالى والتشريع لله وحده. ] إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوْا إِلاَّ إِيَّاهُ [[6]

وقوله تعالى : ] أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُوْرَهُنَّ [ ذكرت عن الفئة الأولى التي أراد الله تعالى إبرازها في تشريع حكم الزواج، وهو إتيان الأجر أو المهر عند عقد النكاح. ومعنى الآية أن الله تعلى قال لنبيه e إنا قد أبحنا لك بالأزواج اللاتـي آتيتـهن مهورهـن، وهي الأجور. وقد كان مهره لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونشاً وهو نصف أوقية، فالجميـع خمسمائة درهم إلا  أم حبيبـة بنت أبي سفيان، فإنه أمهرها عنه  النجاشي[7]  رحمه الله تعالى أربعمائة دينار، وإلا  صفية بنت حيي  فإنه اصطفاها من سبي خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها، كذلك  جويرية بنت الحارث المصطلقية[8]  أدى عنها كتابتها إلى  ثابت بن قيس بن شماس[9]  وتزوجها ـ رضي الله عنهن أجمعين ـ.[10]

وقد دل هذا المقطع أن إيتاء المهر في مقدمة إقامة الزواج أولى وأفضل من تأخيره، إذ كان التعجيل سنة السلف. كما أن المرأة التي أوتيت مهرها أو صداقها أفضل وأولى ممن لم تأخذ صداقها، فهذه هي الحالة الكاملة التي بدأ النص بها، ويكون الأكمل إيتاء المهر كاملا، دون تأخير شيء منه.[11]

ومعنى الأجر في هذه الآية المهر، وسمي ذلك لأنه مقابل الاستمتاع بالمرأة في الظاهر. وفي حقيقته هو بذل وطية، لإظهار “خطر المحل” وشرفه، كما قال تعالى : ] وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةٌ  [12][ أي هبة عطية عن طيب نفس. فالمهر تكريم للمرأة، وإيناس لها، وتطييب لخاطرها. لان المهر اجر على البضع وتقييد الإحلال بإعطائها معجلة لا لتوقف الحل عليه بل لإيثار الأفضل له.[13]

أما الفئة الثانية التي اختص الله تعالى نبيه في تعدد الزوجات هي ملك اليمين وهي الإماء المملوكات، حيث قال تعالى : ]  وَمَا مَلَكَتْ يَمِيْنُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ[   أي (وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم، وقد ملك  صفية وجويرية  فأعتقهما وتزوجهما، وملك  ريحانة بنت شمعون النضرية ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم عليهما السلام، وكانتا من السراري رضي الله عنهما).[14]

“وقد قيدت الآية بجملة “مما أفاء الله عليه” وتخصيصه ؛ للإشارة إلى أنها أحل وأطيب مما تشتري من الجلب. فما سبي من دار الحرب قيل فيه (سبي طيبة)، وما كان عن طريق العهد قيل (سبي خبيثة) كما أن السبي من غير الفيء ربما كان قائما على أساس ظالم، والله تعالى لا يرغب لنبيه إلا في الطيب، دون الخبيث والظالم”.[15]

أما الفئة الثالثة، هي قوله تعالى : ]  وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ [ (والمراد من بنات العم والعمة : القرشيات، فإنه يقال للقرشيين قربوا أم بعدوا : أعمامه e، ويقال للقرشيات قربن أم بعدن عماته، والوارد من بنات الخال والخالة : بنات بني زهرة، وقد كان للنبي e ست من القرشيات).[16]

 (هذا عدل وسط بين الإفراط والتفريط، فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعداً، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وتحريم ما فرطت فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت وهذا شنيع فظيع).[17]         

“وفي إفراد العم والخال وجمع العمة والخالة ؛ لأن العرف اللغوي يستعمل العم والخال اسمي جنس كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة والخالة. كما أنه لما كان العم يقوم مقام الأب، ويذكر بلفظ الأب، كما في قوله تعالى : ] وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيْمُ لأَبِيْهِ آزَرَ [[18]، أفرد لأن الأب لا يتعدد، ثم جاءت العمات جمعا على الأصل، وقيس الخال على العم، كما قيست الخالة على العمة، وهذه عادة جارية في كلامهم”.[19] قاله ابن العربي.

وقال الإمام القرطبي : “إنما جمع العمة والخالة بسبق الوهم إلى أن التاء للوحدة وليس في العم والخال ما يسبق الوهم إليه بأنه أريد به الوحدة إلا مجرد صيغة الإفراد وهى لا تقتضي ذلك بعد إضافتها لما تقرر من عموم أسماء الأجناس المضافة”.[20]

“وقيد المهاجرة في هذا المقطع فإنه للإشارة إلى ما هو أفضل وللإيذان بشرف الهجرة وشرف من هاجر. حيث قال تعالى : ] اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ [ ، فالمراد بـ"الهجرة" هي هجرته e إلى  المدينة المنورة، أما "المعية" فتعني الاشتراك في الهجرة، فمـن هاجرت حلت

له، سواء هاجرت في صحبته أو لم تهاجر في صحبته ومثله قوله تعالى : ] وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ [21][، ولم يكن المعية هنا المقارنة الزمنية. ونظيره قوله تعالى : ]  وَالَّذِيْنَ آمَنُوْا وَلَمْ يُهَاجِرُوْا مَالَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوْا[ [22] وفي رواية عن  قتادة  ] اللاَّتِيْ هَاجَرْنَ مَعَكَ [  أي أسلمن".[23] (وهذا ما كان يريد به الآية في أسباب نزولها حيث أخرج الترمذي عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنه – عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت : خطبني رسول الله  e فاعتذرت إليه، فأنزل الله تعالى : ] إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ [ إلى قوله : ] اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ [ فلم أكن أحل له؛ لأني لم أهاجر).[24]

هل الهجرة تكون شرطا أم لا ؟

1- قيل : “إن الهجرة هي قيد وشرط واستدل هذا القول ما روى عن أم هانئ –وقد ذكرنا في أسباب نزول الآية فليرجع إليه-. وحكى الماوردي في ذلك قولين : أحدهما : أن الهجرة شرط في إحلال النساء له على الإطلاق. والثاني : أنه شرط في إحلال قراباته المذكورات في الآية دون الأجنبيات. : “وهذا يدل على أن من لم تهاجر معه من النساء لم يحل له نكاحها”.[25]

2-  وقال جمهور المفسرين : “إن الهجرة – بظاهر الآية – ليست بقيد ولا شرط، وإنما هي لبيان الأفضل والأكمل. حيث قال أبو حيان مؤكدا عن ذلك : ” والتخصيص باللاتي هاجرن معك، لأن من هاجر معه من قرابته غير المحارم أفضل من غير المهاجرات”.[26]

والراجح عندنا : أن الهجرة ليست بقيد ولا شرط في أن يحل النكاح إذ أن تقييد القريبات بكونهن مهاجرات لبيان الأكمل والأفضل، ولو كن لم تهاجر آنذاك حل نكاحها.

أما الفئة الأخيرة من نوع المرأة التي ذكرت فيها الآية في إباحة النبي e تزويجه هي المرأة المسلمة التي تهب نفسها، وهي بشرطين : هبة نفسها للنبي e، ورغبة النبي e في نكاحها. وهذا ما يقول الله تعالى في سياق الآية : ] وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَاَ خَالِصَةً لًكَ مِنْ دُوْنِ الْمُؤْمِنِيْنَ [ أي ويحل لك أيها النبي e المرأة المؤمنة التي تهب نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك. ومعنى الهبة هنا أن يكون (النكاح من غير ولي ولا شهود ولا مهر وكان ذلك من خصائصه e في النكاح).[27]

وكان إنكار كلمة المرأة المؤمنة التي وهبت نفسها للنبي e ولم يعرفها، موضع اختلاف المفسرين حولها : أكان عند النبي e امرأة موهوبة نفسها ؟ أ واحدة كانت أم أكثر ؟ ومن أو هن ؟ وقد اختلف المفسرون مثل الطبري وابن كثير والقرطبي في عدد الواهبات أنفسهن للنبي  e، وفي تعيينهن.[28]

والذي نحب بيانه هنا أن النبي  e لم يكن عنده امرأة وهبت نفسها له، مع أن اللاتي وهبن أنفسهن له كن كثيرا، فليس في الآية ما يفهم منه أنه قبل إحداهن أو أكثر، لأن فيها شرط ]  إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا[ ، ولم يثبت أنه أراد نكاح واحدة ممن وهبن أنفسهن له، وإن أباحت له الآية ذلك وخصته به".[29]

وقد اختلف العلماء أيضا في جواز النكاح بلفظ الإجارة أو الهبة ؟

لا خلاف بين الفقهاء على أن عقـد النكاح ينعقد باللفظ الصريح، وهو لفظ (النكاح أو الزواج) وبكل لفظ مشتق من هذه الصيغة، وكل هذه الصيغة وردت في الكتاب والسنة، وهي من الصيغ الصريحة في النكاح. كما اتفق الفقهاء على أن لفظ غير النكاح أو الزواج كلفظ الإباحة أو الإحلال أو الإعارة أو الرهن أو التمتع أو الإجارة لا يجوز به عقد النكاح.

أما لفظ الهبة، فقد منعها جمهور الفقهاء، بينما جاز على ذلك الحنفية. ولا نريد أن نطيل الكلام في استعراض اختلافهم عن هذه المسألة وأدلتهم فيها. إلا أننا نحب أن نرجح من هذين القولين ؛ و هو قول الجمهور، إذ أن الله تعالى خص رسوله بهذه الخصوصية، فجوز النكاح بلفظ الهبة بدون مهر، فقال – جل شأنه – ] وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُوْنِ الْمُؤْمِنِيْنَ [. فقوله تعالى :   ] إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ [ وقوله : ] خَالِصَةً لَكَ [ أي خاصة لك لا يشاركك أحد، يقال : هذا الشيء خالصة لك : أي خالص لك خاصة. قال ابن كثير : "أي لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل، لم تحل له حتى يعطيها شيئا".[30]

“ويؤكد هذه الخصوصية دون غيره بقوله تعالى : ] مِنْ دُوْنِ الْمُؤْمِنِيْنَ [ فالخصوصية له e كانت الهبة (لفظا ومعنى) لأن اللفظ تابع للمعنى، ولا يجوز أن يشاركه فيها أحد. قال الإمام مالك : إن الهبة لا تحل لأحد بعد النبي e إن كانت هبة نكاح. ذكر ذلك ابن العربي والقرطبي بمناسبة هذه الخصوصية ما خص الله تعالى به رسوله من أحكام في الشريعة لم يشاركه فيها أحد، سواء في مجال الفرض أو التحريم أو الإباحة، ففرضت عليه أشياء لم تفرض على غيره، وحرمت عليه أفعال لم تحرم عليهم، وأبيحت له أشياء لم تبح لهم".[31]

وقوله تعالى : ] قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلاَ يَكُوْنَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُوْرًا رَحِيْمًا  [ أي (قد علم الله ما فرض من أحكام وشرائط وقيود في أزواج المؤمنين والمملوكات، مما فيه صلاحهم وجعلهم غير النبي e في تلك الأحكام، من حصرهم في أربع نسوة حرائر، وما شاءوا من الإماء المؤمنات والكتابيات غير الوثنيات والمجوسيات، وعد إباحة الزواج لهم بلفظ الهبة، واشتراط الولي والمهر والشهود ).[32]

وكانت هذه الجملة جاءت على سبيل الاعتراض تؤكد ما سلف وتبينه، وهو اعتراض مهم لأنه ينص على فريضة التعدد، إنما صدرت عن علم بالأحوال، والطبائع، فهو تقيين مبني على الإدراك الكاشف، والعلم الدقيق بخفي النوازع والأحوال.[33]

ولهذا تم التحليل عن حكمة أزواج النبي e أكثر من أربع، أنها من خصوصيته الخاصة والتي أباحه إليه (إذ أنه ولي المؤمنين والمؤمنات جميعا، فأما الآخرون فهم خاضعون لما بينه الله تعالى وفرضه عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم. ذلك كي لا يكون على النبي e حرج في استبقاء أزواجه وفي الاستباحة للظروف الخاصة المحيطة بشخصه).[34] كما أن السر في هذا الاختصاص هو رفع الحرج والضيق عنه في دينه ودنياه. فاما في دينه فمن حيث اختصه بالتنزيه واختيار ما هو أولى وأفضل. وأما في دنياه فمن حيث أباحه له أجناس المنكوحات، ثم زاده الواهبة نفسها.

وقوله تعالى : ] تُرْجِيْ مَنْ تَشَاءُ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَلاَ يَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوْبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيْمًا حَكِيْمًا [[35]

والآية توضح لنا أن للرسول e يجوز له أن يرجئ من نسائه متى شاء، وأيما شاء، ويؤوي إليه من شاء منهن، وأن يبتغي ممن أرجأهن من شاء دون حرج عليه في ذلك.

“وكان من أسباب نزول الآية، ما أخرجه الشيخان عن عائشة أنها تقول : أما تستحي المرأة أن تهب نفسها ! فأنز الله : ] تُرْجِيْ مَنْ تَشَاءُ  [الآية، فقالت عائشة : أرى ربك يسارع لك في هواك".[36]

وقوله تعالى : ] تُرْجِيْ مَنْ تَشَاءُ وَتُؤْوِيْ إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ  [أي (لك يا رسول الله e الحرية المطلقة في القسم بين زوجاتك، فلك أن تؤخر مضاجعة من تشاء من نسائك، وتبيت مع من تشاء، لا حرج لك أن تترك القسم لهن، ولا يجب عليك قسم، بل الأمر لك، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت. ومع هذا كان النبي e يقسم لهن).[37]

“وكلمة ترجي من أرجأ الأمر، أي أخره، وترك الهمزة لغة، يقال : أرجأت الأمر وأرجيته إذا أخرته، والارجاء : التأخير ومنه سميت المرجئة، وهم صنف من المسلمين يقولون : الإيمان قول بلا عمل، فهم يرون أنهم لم يصلوا ويصوموا لنجاهم إيمانهم. وقد فسر الإرجاء بأضدادها، ترك المضاجعة، وعدم القسم، والتطليق، وترك التزوج”[38].

أما معنى تؤوي أي تضم، يقال أوى وآوى بمعنى واحد، قال تعالى : ]  آوَى إِلَيْهِ  أَخَاهُ [[39]  أي ضمه إليه وأنزله معه. وقد فسر أيضا بالمضاجعة، وبالإمساك في عصمته، وبالتزوج.

قال أبو حيان عن ابن عباس في معنى الآية : “تطلق من تشاء من نسائك، وتمسك من تشاء منهن، لا حرج عليك”.[40] وقال ابن الجوزي[41] : “وأكثر العلماء يقولون أن هذه الآية نزلت مبيحة لرسول الله e مصاحبة نسائه كيف شاء، من غير إيجاب القسمة عليه والتسوية بينهن، غير أنه كان يسوي بينهن”.[42]

وقال الجصاص : “وهذه الآية تدل على أن القسم بينهن لم يكن واجبا على النبي e وأنه كان مخيرا في القسم لمن يشاء، وترك من شاء منهن”.[43]

وكان الحكمة في عدم وجوب النبي e على القسم بين أزواجه هي توسعة عليه وتطييبا على نفوس نسائه وصونا لهن عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي.

وقوله تعالى : ] وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ [ بيان ثاني في إباحة التخيير النبي e بين نسائه، فلا حرج عليه في أن يعتزل نساءه إن شاء أن يعتزلها، وله الحرية في أن يضم إليه من شاء من نسائه.

وقوله تعالى : ] ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ [ أي (أن الأمر إذا كان الإدناء والإقصاء لهن، والتقريب والتبعيد عليك، تفعل من ذلك ما شئت – كان أقرب إلى قرة أعينهن، وراحة قلوبهن، لأن المرء إذا علم أنه لا حق له في شيء كان راضيا بما أوتى منه وإن قل، وإن علم أن له حقا لم يقنعه ما أوتى منه، واشتدت غيرته عليه، وعظم حرصه فيه، فكان ما فعل الله لرسوله من تفويض الأمر إليه في أحوال أزواجه أقرب إلى رضاهن معه، واستقرار أعينهن على ما يسمح به منه لهن، دون أن تتعلق قلوبهن بأكثر منه.[44]

ولكن لم يكن النبي  e – ولو كان قد نزل عليه الترخيص والتخيير – من هذه الآية أن يفعل ما يشاء بين نسائه، وإنما كان يشدد على نفسه في رعاية بينهن، ويقسم لهن في جميع الأمور المستطاعة، تطييبا لقلوبهن، وقد روي أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله بعد أن قسم بين أزواجه : (( اللَّهُمَّ هَذِهِ قُدْرَتِي فِيْمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تَلُمُّنِيْ فِيْمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ ))[45] يعني ميل قلب لإيثاره على عائشة رضي الله تعالى عنها.

ولهذا استدل العلماء على الرجل على ان يعدل بين نساءه لكل واحدة منهن يوما وليلة، ولا يسقط حق الزوجة مرضها ولا حضها، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها. وعليه أن يعدل بينهن في مرضه كما يفعل في صحته، إلا أن يعجز عن الحركة، فيقيم حيث غلب عليه المرض، فإذا صح استأنف القسم.

روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي e قال : ((مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إِلىَ إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَشَقَّهُ مَائِلٌ )).[46] ولا يجمع بينهن في منزل واحد إلا برضاهن، ولا يدخل لإحداهن في يوم الأخرى وليلتها لغير حاجة.[47]

وقوله تعالى : ] وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوْبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيْمًا حَلِيْمًا [  (خبر عام، والإشارة إلى ما في قلب رسول الله e من محبة شخص دون شخص، وكذلك يدخل في المعنى أيضا على المؤمنين)[48].

(والقلب قد يكون مصدر خير أو شر، يروى أن لقمان كان عبدا نجارا قال له سيده : اذبح شاة وأتني بأطيبها بضعتين، فأتاه باللسان والقلب. ثم أمره بذبح شاة أخرى، فقال له : ألق أخبثها بضعتين، فألقى اللسان والقلب. فقال : أمرتك أن تأتيني بأطيبها بضعتين، فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقى بأخبثها بضعتين، فألقيت اللسان والقلب ؟‍‍! فقال : ليس شيء أطيب منها إذا طابا، ولا منهما إذا خبثا).[49]  

(ووجه تخصيصه بالذكر هاهنا التنبيه على أنه يعلم ما في قلوبنا من ميل إلى بعض ما عندنا من النساء دون بعض، وهو يسمح في ذلك ؛ إذ لا يستطيع العبد أن يصرف قلبه عن ذلك الميل إن كان يستطيع أن يصرف فعله، ولا يؤاخذ الباري سبحانه وتعالى بما في القلب من ذلك، وإنما يؤاخذ بما يكون من فعل فيه).[50]

أما الآية الثالثة فموضوعها الرئيسي هو تحريم نساء النبي e بعد أن أحللن له في الآية الأولى، وتحريم استبدال غيرهن بهن، إلا ملك اليمين فهن حلال له، وذلك من ميزته التي أعطاها الله تعالى على نسائه – أي لمن ارتبطن به – كي لا يحرمن شرف النسبة إليه بعد ما اخترن الله ورسوله e والدار الآخرة. إنها تقول : ] لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدِ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِيْنُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شيْءٍ رَقِيْبًا [51][

وكان من أسباب نزول الآية، أن عكرمة قال : لما خير سول الله e زواجه اخترن الله ورسوله e، فأنزل الله : : ] لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ [[52] ونظرا من ظاهر الآية يرى الباحث الأحكام التي ضمنتها الآية، وهي كالآتي :

فالحكم الأول هو تحريم زواج النبي e بعد أن نزل هذه الآية، وهو قوله تعالى :   ] لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءَ مِنْ بَعْدُ [ اختلف أهل العلم في تأويل هذا المقطع من الآية، وكان محل اختلاف تأويلهم هو في كلمة "بعد" الذي بني على الضم، لما اقترن به من الحذف :

الأول : أن معنى الآية هو : لا يحل لك النساء من بعد من عندك، منهن اللواتي اخترنك على النيا فقصر عليهن من أجل اختيارهن له، أي من بعد الأصناف التسع اللائى كن في عصمة رسول الله e وفي ذلك نص على أن التكريم كان بسبب هذا الموقف الكريم.[53]

والثاني : أنها منسوخة بالسنة، والناسخ لها حديث عائشة، قالت : (ما مات رسول الله e حتى أحل له النساء)،[54] وقيل إنها منسوخة بآية أخرى، روي عن أم سلمة قالت : لم يمت رسول الله e حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء من شاء ؛ إلا ذات محرم، وذلك قوله تعالى :      ] تُرْجِيْ مَنْ تَشَاءُ وَتُؤْوِيْ إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ [[55]

أما الثالث : المعنى (لا يحل لك غير المسلمات من اليهوديات ولا النصرانيات، قاله سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وذلك – كما قالوا – لئلا تكون كافرة أما للمؤمنين. ولكن هذا القول بعيد من معناه المراد، لأنه يقدره من بعد المسلمات، ولم يجر للمسلمات ذكر).[56]

والراجح من هذه التأويلات هو أن الآية محكمة ؛ لأن حديث عائشة – كما قال ابن العربي – حديث ضعيف واه، أي شديد الضعف. وأما نسخها بآية أخرى، فقال فيه بعض فقهاء الكوفة : محال أن تنسخ هذه الآية ] تُرْجِيْ مَنْ تَشَاءُ .. [ بالآية : ] لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ [ وهي قبلها في المصحف الذي أجمع عليه المسلمون. حتى ولو قيل أن الترتيب في التلاوة ليس دليل في النزول، فلا ثبت أن النسخ يلزم أن يتطلب أمرين : ثبوت تأخر الناسخ عن المنسوخ، وأن يكون بينهما تعارض. وهذان لم يتوافرا هنا.[57]

وسواء أكان المراد بها تحريم النساء على رسول الله e أو لم يكن ذلك، فقد ثبت أنه e لم يتزوج بعد نزول الآية، وهو دليل على أن الرسول e لم يتزوج برغبته النفسية، إنما على سبيل التشريع والتوسعة الذي شرعها الله تعالى وأحلها عليه.  

وأما الحكم الثاني هو المنع على تبديل الأزواج بغيرها أو تطليقها بعد أن رضين بالحياة في عصمة رسول الله e، وهو وقوله : ] وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ [ وذلك مما يبعد عن العادة التي تفعله العرب، إذ أن البدل في الجاهلية جرى مجرى التجارة يشري ويبيع ما شاءوا بين أزواجهم، وكانوا يتبادلون بين أزواجهم كيفما وأينما شاءوا، وأراد هذه الآية – والله أعلم – أن ينسخ هذه العادة المتفشية آنذاك.[58]

أما معنى الآية فكان فيه تأويلات شتى، وقد ذكر ابن العربي في تفسيره[59] ثلاثة أقوال :

1-   لا يحل لك أن تطلق امرأة من أزواجك، وتنكح غيرها ؛ قاله ابن عباس.

2-   لا يحل لك أن تبدل المسلمة التي عندك بمشركة ؛ قاله مجاهد.

3-   لا تعطي زوجك في زوجة أخرى، كما كانت الجاهلية تفعله ؛ قاله ابن زيد.

وأصح هذه الأقوال عندنا : قول ابن عباس إذ أنه يشهد عليه النص، وعليه يقوم الدليل. كما يقول إمام الطبري في تفسيره : (أي أن لا تطلـق أزواجـك فتستبدل بهن غيرهن أزواجا ؛ إذ كان الله قد جعلهن أمهات المؤمنين، وخيرهن بين الحياة الدنيا والدار الآخرة والرضا بالله ورسوله، فاخترن الله ورسوله والدر الآخرة، فحرمن على غيره بذلك، ومنع من فراقهن بطلاق).[60]

وجاء قوله تعالى : ] وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ [ تأكيدا لمنع الاستبدال، وارد مورد الإلهاب، والإثارة، حتى تندفع النفس نحو أمر الله. كما يشير إلى أن محمدا e بشر، وعنده النوازع النفسية التي تجره إلى إعجاب حسن المرأة حين نظرها، ولكن بجانب ذلك أن الله تعالى يعلم أن النبي e لن يتزوج بعد ذلك، وأنه لم يكن يتعلق بحسن النساء تعلقا يبيح لنفسه أن يخالف أمر ربه.

وقد استثنى الله - عز وجل – من تحريم النساء على الرسول  e بقوله تعالى :     ]  إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِيْنُكَ [  أي ما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ؛ فإنهن ليس لهن من الحقوق مثل ما للزوجات، وهو لا يتقيد في حلهن له بإسلامهن. ولا يحل له نكاح المشركات أو الكافرات ولا وطؤها بملك اليمين، تنزيها لقدره عن مباشرة الكافرة، وقد قال الله تعالى : ] وَلاَ تُمْسِكُوْا بِعَصَمِ الْكَوَافِرِ [[61]  فكيف به e وقال : ] اللاَّتِيْ هَاجَرْنَ مَعَكَ [ فشرط في الإحلال له الهجرة بعد الإيمان، فكيف يقال إن الكافرة تحل له ![62]

ويوحي هذا المقطع الحكم الثالث الذي تضمنته الآية، وهو جواز نظر الرجل إلى من يريد زواجها.[63] أو النظر إلى المخطوبة قبل الإقدام على خطبتها، كما قال رسول الله e لرجل أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار : (( أُنْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِيْ أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا ))[64]، كما حدث للمغيرة بن شعبة[65] عندما خطب امرأة، فقد سأله الرسول e : هل نظرت إليها ؟ قال : لا، قال له الرسول : (( فَانْظُرْ إِلَيْهَا ؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا )).[66]

والأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهة الإرشاد إلى المصلحة ؛ فإنه إذا نظر إليها، فلعله يرى منها ما يرغبه في نكاحها، بدليل ما ذكره أبو داود من حديث جابر عن النبي e أنه قال : ((إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلىَ مَا يَدْعُوْهُ إِلىَ نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ ))،[67] فقوله “فإن استطاع فليفعل” لا يقال مثله في الواجب. وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والظاهرية وغيرهم.[68]

وكانت فاصلة الآية :]   وَكَانَ اللهُ عَلىَ كُلِّ شَيْءٍ رَقِيْبًا [ "جاءت تذييلا لهذه الآية، وتعقيب على ما فيها من أحكام، وذلك لاستحضار هيمنة المولى سبحانه وهيمنته على القلوب، أي كان الله وما يزال مهيمنا حافظا مراقبا لا يخفي عليه شيء ولا يفوته شيء، وهو يراقب كل ما يفعل، وما يفعله من عباده، ويحصيه عليكم وعليهم، ويراقب كل ما يدور في الأخلاد، وما تهتاج به الصدور، فينبغي أن يتقي"!.[69] هذا والله تعالى أعلم.

——————————————————————————–

[1]- [ سورة الأحزاب، الآيات 50-52 ]

[2]- [ أنظر سورة الأحزاب عرض وتفسير ص 183 ] 

[3]- [ تفسير المنير ج 11 ص 63 ]

[4]- [ أنظر تفسير ابن كثير ج 3 ص 658 ، والتفسير الحديث ج 8 ص 275 ]

[5]- [ أنظر التفسير القرطبي  ج 7 ص 182، وفتح القدير ج 4 ص 291 ]

[6]- [ سورة يوسف، الآية 40 ]

[7]- [ النجاشي النجاشى هو أصحمة ملك الحبشة، وأصحمة اسمه أما النجاشى فلقب له ولملوك الحبشة مثل كسرى للفرس وقيصر للروم، أسلم في حياة النبي e ولكنه لم يره، ولذا لم يعده كثير من العلماء من الصحابة، وتوفي ببلاده قبل فتح مكة وهو بالمدينة صلاة الغائب ] أنظر “موسوعة الأسرة المسلمة” (الصحابة) القاهرة، (323)

[8]- [ هي أم المؤمنين: جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة بن سعد بن عمرو الخزاعية المصطلقية، سبيت يوم غزوة بنى المصطلق " غزوة المريـسـيع "، وكانت بنت سيد قومه، وكانت زوجة لمسافع بن صفوان المصطلقى، فلما سبيت وقعت في سهم ثابت بن قيس أوابن عم له، ودخلت على النبىe تسأله أن يعينها وكانت كاتبت عن نفسها فقال لها النبيe : (أو خير من ذلك؟ فقالت: ما هو ؟ قال: أؤدي عنك كتابك وأتزوجك قالت: نعم يا رسول الله)، فخرج الخبر فقال الناس: أصهار رسول الله e يسترقون فأطلقوا من كان بأيديهم من بنى المصطلق فبلغ عتقاؤهم مائة بيت، تقول عائشة: " فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها"، وكان عمرها إذ تزوجها النبىe عشرين سنة. وتوفيت سنة خمسين، وقيل سنة ست وخمسين سنة وهي بنت خمس وستين سنة ] أنظر “قبس من سيرة أمهات المؤمنين” (125)

[9]- [ ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرىء القيس بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، وكانت أمه من طىء، وثابت خطيب الأنصار، وخطيب النبىe كما كان حسان بن ثابت شاعره، وعن أبى هريرة أن النبىe قال: (نعم الرجل ثابت بن قيس) شهد ثابت أحدا، وهي أول مشاهده، وشهد كل المشاهد بعد ذلك مع رسول الله e ، وشهد اليمامة واستشهد فيها ]

[10]- [ أنظر تفسير ابن كثير، ج 3 ص 658 ]

[11]- [ أنظر تفسير آيات الأحكام، ج 2 ص 304 ، والتفسير المنير، ج 10 ص 64 ]

[12]- [ سورة النساء، الآية 4 ]

[13]- [ أنظر تفسير آيات الأحكام للصابوني، ج 2 ص 299، وتفسير البيضاوي ج 4 ص 380 ]

[14]- [ تفسير ابن كثير ج 3 ص 658 ]

[15]- [ أنظر تفسير البحر المحيط، ج 7 ص 239، وتفسير الكشاف، ج 3 ص 286 ]

[16]- [ التفسير المنير ج 11 ص 64 ]

[17]- [ تفسير القرطبي ج 7 ص 182 ]

[18]- [ سورة الأنعام، الآية 74 ]

[19]- [ أنظر أحكام القرآن لابن العربي، ج 3 ص 1556-1557، وتفسير القرطبي ج 7 ص 208، ومن أسرار التعبير القرآني، ص 373 ]

[20]- [ تفسير القرطبي، ج 7 ص 208 ]

[21]- [ سورة النمل، الآية 44 ]

[22]- [ سورة  الأنفال الآية 72 ]

[23]- [ فتح القدير ج 4 ص 292، وتفسير القرطبي، ج 7 ص 207-208 ]

[24]- [ الحديث أخرجه "الترمذي في سننه، في كتاب التفسير ن رسول الله e ، باب ومن سورة الأحزاب، رقم 3214، أنظر "الجامع الصحيح سنن الترمذي" ج 5 ص 355 ]

[25]- [ أنظر تفسير البحر المحيط، ج 7 ص 139، وتفسير الطبري  ج 22 ص 21 ]

[26]- [ تفسير البحر المحيط، ج 7 ص 139 ]

[27]- [ تفسير البغوي،  ج 3  ص 536 ] 

[28]- [ أنظر تفسير ابن كثير، ج 3 ص 500 ، وتفسير القرطبي ج 7  ص 208 ]

[29]- [ أنظر سورة الأحزاب عرض وتفسير، ص 185 ]

[30]- [ تفسير ابن كثير ج 3 ص 501 ]

[31]- [ أنظر تفسير البحر المحيط ج 7 ص 239، و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 1565، والتفسير القرطبي، ج 7 ص 210  وتفسير آيات الأحكام للصابوني ج 2 ص 310-311 ]

[32]- [ التفسير المنير، ج 11 ص 66 ] 

[33]- [ أنظر من أسرار التعبير القرآني، ص 275 ]

[34]- [ في ظلال القرآن ج 5 ص 2876 ]

[35]- [ سورة الأحزاب، الآية 51 ]

[36]- [ أنظر البداية والنهاية، لابن كثير ج  ص297، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب النكاح، باب هل للمرأة أن تهب نفسها، رقم 4823، أنظر "مختصر صحيح البخاري" ج 5 ص 1966 ]

[37]- [ التفسير المنير، ج 22 ص 67 ]

[38]- [ أنظر لسان العرب، ج 1 ص 83 ]

[39]- [ سورة يوسف، الآية 69 ]

[40]- [ تفسير البحر المحيط، ج 7 ص 239 ]

[41]-  [ ابن الجوزي هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي أبو الفرج 508-597هـ البغدادي الإمام الفقيه الحنبلي الواعظ الملقب بجمال الدين الحافظ كان علامة عصره وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ.وله تصانيف عديدة منها زاد المسير في التفسير، وله في الحديث، كما له المنتظم في التاريخ ] أنظر “كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون” لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي الحنفي 1017-1067هـ، ج 1 ص 17، دار الكتب العلمية، بيروت، 1413ه/1992م، و”أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم” لصديق بن حسن القنوجي 1248-1307هـ، تحقيق عبد الجبار زكار، ج 3 ص 91، دار الكتب العلمية، بيروت 1978م ]

[42]- [ تفسير زاد المسير، ج 6 ص 407 ]

[43]- [ أحكم القرآن للجصاص، ج 3 ص 367 ]

[44]- [ أحكام القرآن لابن العربي، ج 3 ص 1569 ]

[45]- [ الحديث أخرجه "النسائي في سننه"، في كتاب عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، رقم 3942، أنظر "سنن النسائي" ج 7 ص 63، و"أحمد في مسنده"، في كتاب المكثرين من الصحابة، باب باقي مسند عائشة، رقم 251544، أنظر "مسند الإمام أحمد" ج 6 ص 158، و"الترمذي في سننه"، في كتاب النكاح عن رسول الله e ، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر، رقم 1140، أنظر "الجامع الصحيح سنن الترمذي" ج 3 ص 446، و"ابن ماجه في سننه"، في كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء، رقم 1971، أنظر "سنن ابن ماجه" ج 1 ص 633، و"ابو داود في سننه"، في كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء، رقم 2134، أنظر "سنن أبي داود" ج 2 ص 242 ]

[46]- [ الحديث أخرجه "أبو داود في سننه"، في كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء، رقم 2133، أنظر "سنن أبي داود" ج 2 ص 242، و"ابن ماجه في سننه"، في كتاب النكاح، باب القسم، ذكر وصف عقوبة من لم يعدل بين امرأتيه في الدنيا، رقم 4207، أنظر "سنن ابن ماجه" ج 10 ص 7، واللفظ غير ما أخرجه أبو داود وهو "من كانت له امرأتان فمال مع إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط " و"أحمد في مسنده"، في كتاب المكثرين من الصحبة، باب باقي مسند أبي هريرة، رقم 7923، أنظر "مسند الإمام أحمد"  ج 2 ص 296، وزاد في اللفظ من أبن ماجه بـ"أو مائلا شك  يزيد" ]

[47]- [ أنظر التفسير المنير، ج 11 ص 76 ]

[48]- [ تفسير القرطبي، ج 7 ص 218 ]

[49]- [ المرجع نفسه، ج 7 ص 218، وتفسير المنير، ج 11 ص 76 ]

[50]- [ أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 1570 ]

[51]- [ سورة الأحزاب، الآية 52 ]

[52]- [ أنظر تفسير السيوطي، ج 6 ص 637 ]

[53]- [ أحكام القرآن لابن العربي، ج 3 ص 1571 ]

[54]- [ روي هذا الأثر عن عائشة أخرجه النسائي في سننه، في كتاب النكاح، باب ما افترض الله على رسولهe وحرمه على خلقه ليزيده إن شاء الله قربة إليه، رقم 3204، أنظر "سنن النسائي" ج 6 ص 56، و"أحمد في مسنده"، في كتاب المكثرين من الصحابة، باب بقي مسند عائشة، رقم 34183،  أنظر "مسند الإمام أحمد" ج 6 ص 41، و"الترمذي في سننه"، في كتاب تفسير القرآن الكريم عن رسول الله e ، باب ومن سورة الأحزاب، رقم 3216، أنظر "الجامع الصحيح سنن الترمذي" ج 5 ص 356 ]

[55]- [ أنظر تفسير القرطبي، ج 7 ص 219 ]

[56]- [ أنظر تفسير الطبري ج 22 ص 28 تفسير القرطبي، ج 22 ص 220 ]

[57]- [ أنظر أحكام القرآن لابن العربي، ج 3 ص 1571، والتفسير المنير، ج 11 ص 77 ]

[58]- [ أنظر التفسير القرطبي، ج 7 ص 220 ]

[59]- [ أحكام القرآن لابن العربي، ج 3 ص 1571 ]

[60]- [ تفسير الطبري ، ج 22 ص 31 ]

[61]- [ سورة الممتحنة، آية 10 ]

[62]- [ أحكام القرآن لابن الربي ج 3 ص 1572 ]

[63]- [ أنظر التفسير القرطبي، ج 7 ص 222 ]

[64]- [ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب النكاح، باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها، رقم 1424، أنظر "صحيح مسلم" ج 2 ص 1040، و"النسائي في سننه"، في كتاب النكاح، باب إذا استشار رجل رجلا في المرأة هل يخبره بما يعلم، رقم 3246، أنظر "المجتبى-سنن النسائي" ج 6 ص 77، و"ابن حبان في صحيحه"، في كتاب النكاح، باب ذكر الإباحة لمن أراد خطبة المرأة أن ينظر إليها قبل العقد، رقم 4041، أنظر "صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان" ج 9 ص 349، و"أحمد في مسنده"، في كتاب المكثرين من الصحابة، باب باقي مسند أبي هريرة، رقم 7966، أنظر "مسند الإمام أحمد" ج 2 ص 299 ]

[65]- [ مغيرة بن شعبة بن مسعود بن حقيب الثقفي، صحابي مشهور، أسلم قبل الحديبية، وولى أمرة البصرة، ثم الكوفة، مات سنة خمسين على الصحيح ] أنظر “تقريب التهذيب” رقم 6840 (543)

[66]- [ الحديث أخرجه "أحمد في مسنده"، في كتاب المكثرين من الصحابة، باب باقي مسند المغيرة بن شعبة، رقم 18179، أنظر "مسند الإمام أحمد" ج 4 ص 245، و"ابن ماجه في سننه"، في كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، رقم 1865، أنظر "سنن ابن ماجه" ج 1 ص 599 ]

[67]- [ الحديث أخرجه "أحمد في مسنده"، في كتاب المكثرين من الصحابة، باب باقي مسند جابر بن عبد الله، رقم 14626، أنظر "مسند الإمام أحمد" ج 3 ص 334، و"أبو داود في سننه"، في كتاب النكاح باب في الرجل ينظر لى المرأة وهو يريد تزويجها، رقم 2082، أنظر "سنن أبي داود" ج 2 ص 228 ]

[68]- [ أنظر التفسير القرطبي، ج 7 ص 222 ]

[69]- [ أنظر سورة الأحزاب عرض وتفسير، ص 192 ]