المطلب الخامس
تصوير غزوة بني قريظة
قال الله تعالى : ] وَأنْزَلَ الَّذِيْنَ ظَاهَرُوْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيْهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوْبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيْقًا تَقْتُلُوْنَ وَتَأْسِرُوْنَ فَرِيْقًا + وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوْها وَكَانَ اللهُ عَلىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرًا [ [1]
وقبل عرض عن خذلان اليهود بني قريظة سبب غدرهم بالعهد على الرسول e وأصحابه، نحب أن نستعرض نبذة يسيرة عن اليهود المدينة بصفة عامة.
“ولقد نزل اليهود آباءهم الحجاز قديما طمعا في اتباع النبي e الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ] فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوْا كَفَرُوْا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلىَ الْكَافِرِيْنَ [.[2] وكانت أكبر قبيلة وأهم طوائف في اليهود ثلاثة وهي بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة. ثم لما هجر رسول الله e إلى المدينة، وكان e يطمع في إيمانهم أكثر مما كان يطمع في إيمانه المشركين ؛ لأنهم أهل دين يدعو إلى التوحيد كما يدعو الإسلام إليه، وأهل كتاب يصدق القرآن كثيرا مما جاء به، وأهل علم يؤمنون بمنطق العقل ويحتكمون إليه”.[3] فكان أول ما صنع به رسول الله e في المدينة، دعوتهم إلى عقد الميثاق وناداهم بأنه نبي مرسل الذي قد كتب اسمه في كتابي والتوراة المنزل على داود كعهد القديم، والإنجيل المنزل على عيسى في الجديد، ( ثم عق معهم بعد ذلك المهادنة وأوجب لهم فيها النصرة والحماية مشترطا عليهم ألا يغدروا ولا يفجروا ولا يتجسسوا ولا يعينوا عدوا، ولا يمدوا يدا بأذى ).[4]
ولكن بعد أن مر الزمان لمدة قصيرة، ما لبث اليهود بخطر الدين الجديد -عند زعمهم- على مكانتهم التقليدية بوصفهم أهل الكتاب الأول. ولاسيما إنهم سمعوا إسلام حبرهم وعالمهم عبد الله بن سلام، فبدأت حرب دعايتهم ضد النبي e وضد الإسلام، ثم صارت خصومتهم وعداوتهم بد أن كان شأن النبي e والمسلمين في غزوة بدر حتى صار لكل منها شأن مع الرسول e ومع المسلمين.
“أما بنو قينقاع وكانوا أشجع يهود، فقد حقدوا على انتصار النبي e والمؤمنين ببدر ؛ وأخذوا يتحرشون بهم ويتنكرون للعهد الذي بينهم وبين رسول الله e خيفة أن يستفحل أمره فلا يعودون يملكون مقاومته، بعدما انتصر على قريش في أول اشتباك بينه وبينهم. وكان بنو قينقاع أول قوم من يهود نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله e وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فغزاهم رسول الله e وحاصرهم خمس عشرة ليلة لا يطلع منهم أحد حتى نزلوا على حكمه، وأجلاهم وغنم الله رسوله e والمسلمون ما كان لهم من مال”.[5]
و(أما بنو النضير، فإن رسول الله e خرج إليهم في سنة أربع بعد غزوة أحد يطلب مشاركتهم في دية قتيلين حسب المعاهدة التي كانت بينه وبينهم. فلما أتاهم قالوا : نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ورسول الله e إلى جنب جار من بيوتهم قاعد – فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه ؟ ثم أخذوا في تنفيذ هذه المؤامرة الدنيئة، فألهم رسول الله e ما كان من أمرهم فقام وخرج راجعا إلى المدينة، وأمر بالتهيؤ إلى حربهم. فتحصنوا منه بالحصون. وأرسل إليهم عبد الله بن أبي بن سلول (رأس المنافق) أن أثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم. إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. ولكن المنافقين لم يفوا بعهدهم. وقذف الله تعالى الرعب في قلوب بني النضير فاستسلموا بلا حرب ولا قتال. وسألوا رسول الله e أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت من الإبل من أموالهم إلا السلاح. ففعل. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. من أشرافهم – ممن سار إلى خيبر – سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب. هؤلاء الذين كان لهم ذكر في تأليب مشركي قريش وغطفان في غزوة الأحزاب).[6]
أما بنو قريظة، فكانوا يسكنون – أيضا -مع النبي e بالمدينة أو بضواحيها، وإنه كان بينه وبينهم عهد أن لا يعينوا عليه عدوا، ولما حاصرت الأحزاب – كما أشرنا من قبل – المدينة، نقضوا العهد وأعلنوا الحرب، كما هو شأن اليهود قديما وحديثا. فهاتان الآيتان اللتان نحن بصددها تشيران إلى ما حدث لبني قريظة بعد نقضهم العهد وهزيمة الأحزاب، وخلاصته كما تأتي : لمـا سمع رسول اللهe الوحـي بواسطة جبريل – عليه السلام – أن يحـرب ناقض العهد وهو بنو قريظة، أمر رسول الله e مناديا، فأذن في الناس : إن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة.
وفي رواية : (لما أيد الله تعالى نبيه e ونصره وكبت الأعداء وردهم خائبين بأخسر صفقـة ورجع رسول الله e إلـى أم سلمـة[7] – رضي الله عنها – إذ تبدي له جبريل – عليه السلام – معتجزا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها قذيفة من ديباج فقال : أ وضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال e : نعم. قال : لكن الملائكة لم تضع أسلحتها، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم ثم قال : إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة، – وفي رواية فقال له غديرك من مقاتل : أ وضعتم السلاح ؟ قال e : نعم. قال لكنا لم نضع أسلحتنا بعد، انهض إلى هؤلاء، قال رسول الله e : أين ؟ قال : بني قريظة فإن الله تعالى أمرني أن أزلزل عليهم – فنهض رسول الله e من فوره وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة – وكانت على أميال من المدينة – وذلك بعد صلاة الظهر، وقال e : ((لاَ يُصَلِّيْنَ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِيْ قُرَيْظَةَ)) فسار الناس فأدركتهم الصلاة في الطريق، وقالوا : لم يرد منا رسول الله e تعجيل المسير، وقال آخرون : لا تصليها إلا في بني قريظة. وفي رواية عن البخاري : أدرك بعضهم الصلاة في الطريق، فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم : بل نصلي. ولم يرد منا ذلك فذكروا للنبي e ، فلم يعنف واحدا منهم).[8]
وقدم رسول الله e علي ابن أبي طالب برايته إلى بني قريظة، وابتدرها الناس، فسار علي – رضي الله عنه – حتى إذا دنا من الحصون، سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله e منهم، فرجع حتى لقي رسول الله e بالطريق. (وحاصرهم رسول الله e خمسا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار : وقذف في قلوبهم الرعب – وقد كان حيي بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجع عنهم قريش وغطفان، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه – فلما أيقنوا أن رسول الله e غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، دعا كعب بن أسد اليهودي : يا معشر يهود إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم ! قالوا وما هن ؟ قال : نتابع هذا الرجل ونصدقه ؛ فوالله لقد كان تبين لكم أنه لنبي مرسل، وأنه للـذي كنتـم تجدونه فـي كتابكم، فتأمنوا على دمائكم وأموالكم وأبناءكم ونساءكم، قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره. قال : فإذا أبيتم هذه علي فهاهم فلنقتل أبناءنا ونسائنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف، ولم نترك وراءنا ثقلا يهمنا ؛ حتى يحكم الله بيننا وبين محمد؛ فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا شيئا نخشى عليه، وإن نظهر لنجدن النساء والأبناء. قالوا : نقتل هؤلاء المساكين، فما خير العيش بعدهم ؟! قال : فإذا أبيتم هذه علي فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها ؛ فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا : نفسد سبتنا، ونحدث فيه ما لم أحدث يكون فيه من كان قبلنا، إلا من قد علمت فأصابه من المسخ ما لم يخف عليك. قالوا : ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما).[9] فانتصر المسلمون في تلك الغزوة وهزموا بني قريظة إلى أن يكونوا خاسرين، وقذف في قلوبهم الخوف والشدة لخيانتهم على العهد وغدرهم على استئصال المسلمين يوم الأحزاب. فلعنة الله على الكاذبين.
ثم إن بعض من اليهود منهم من يحب التوبة والرجوع إلى رسول الله، كأبي لبابة، ونفر من بني هدل. كما أن بعض منهم نزلوا على حكم رسول الله e فيهم – وقد كانت بنوا قريظة حلفاء الأوس – فاحب رسول الله e أن يكل الحكم عليهم إلى واحد من رؤساء الأوسين، فجعل الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ. فلما حكمه رسول الله e في بني قريظة وأرسل إليه بذلك. فلما دنا من المسجد، قال للأنصار : قوموا إلى سيدكم أو خيركم : ثم قال : إن هؤلاء نزلوا على حكمك. قال : تقتل مقاتلهم وتسبي ذريتهم، فقال له النبي e : قضيت بحكم الله تعالى.[10]
أما الذين عندوا على ذلك فقد قاتلهم رسول الله e حيث خرج رسول الله e إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق ؛ يخرج بهم إليه إرسالا ؛ وفيهـم عدو الله حيي بـن أخطب، وكعب بن أسد ؛ رأس القوم، وهم ستمائة أو سبعمائة ؛ المكثر لهم يقول : كانوا من الثمانمائة إلى التسعمائة. فلم يزل ذلك الأب حتى فرغ منهم رسول الله e وأتى بحيي بن أخطب عدو الله وعليه حلة له فقاحية – بلون الورد في بدء تفتحه – قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة، أنملة أنملة، لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. فلما نظر إلى رسول الله e قال : أيها الناس : أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يُخْذَلْ، ثم أقبل على الناس، فقال : أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه).[11]
“وبعد أن أهزم رسول الله e وأصحابه بني قريظة غنم المسلمون كل ما كان في ديار بني قريظة من سلاح وأثاث ومتاع، فوجد فيها ألف وخمسمائة سيف، وثلاثمائة درع، وألفا رمح وألف وخمسمائة فُرس وجحفة ؛ ووجدوا جمالا وماشية كثيرة، وورثوا أرضهم وديارهم وأموالهم. وكان غنم المسلمين عظيما من الناحية المادية والناحية المعنوية، بعد هزيمة الأحزاب، وبعد هزيمة بني قريظة. وقسم رسول الله e أموالهم وجعل نساءهم وأبناءهم اسارى على المسلمين، وقد قسم رسول الله e سهمان الخيل وسهمان الرجال، وأخرج منها الخمس، فكان للفرس ثلاثة أسهم ؛ للفرس سهمان ولفارسه سهم، وللراجل ممن ليس له فرس سهم، وكانت الخيل يوم بني قريظة ستة وثلاثين فرسا، وكان أول فيء فيه السهمان وأخرج منه الخمس، فعلى سنتها وما مضى من رسول الله e فيها وقعت المقاسم، ومضت السنة في المغازي ؛ ولم يكن يسهم للخيل إذا كانت مع الرجل إلا لفرسين. وكان فتح بني قريظة في ذي القعدة أو في صدر ذي الحجة، وقيل : غزاهم رسول الله e في ذي القعدة لليال بقين منه.[12]
(ومهما يكن من شيء فقد مضت هذه الغزوة القضاء التام على بطون اليهود في المدينة ؛ وفقد المنافقون فيها أنصارهم، فخفقت أصواتهم، وانكسرت شوكتهم، ولم تقم لها بعدها قائمة ؛ ومكن الله للمسلمين في المدينة بعد هذه الغزوة، وأخذت أمورهم تسير في طريق أقل تعثرا وأكثر أمنا ؛ وأخذت الدعوة الإسلامية تتسم بطابع جديد، هو طابع القوة والغنى والاعتزاز، لا طاب الضعف والفقر والاستكانة).[13]
ومعنى قوله تعالى : ] وَأَنْزَلَ الَّذِيْنَ ظَاهَرُوْهُمْ [ أي وهم بنو قريظة الذين (عاونوا الأحزاب من المشركين على حرب رسول الله e وأصحابه وذكرهم بالاسم الموصول ليشير بذلك إلى سبب العقوبة بهذا الحكم الحاسم، ولقاء القاطع، وهو نقض العهد ومظاهرة الأعداء).[14]
وأتى بالمعلق في قوله تعالى : ] مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [ "لغرض التذكير بأنهم خالفوا كتابهم. أي إنهم بنو قريظة من اليهود ومن بعض أسباط بني إسرائيل وكبارهم حيث قد نزل إليهم كتابي التوراة والإنجيل، ولكنهم حرفوا وبدلوا كتابهم تبديلا ومن علامة تبديلهم نقض العهد الذي عقد بينهم وبين الرسول مع أن كتابهم يحث على الوفاء بالعهد وعلى السلام ، ويبشرهم برسول اسمه أحمد".[15]
وقوله تعالى : ] مِنْ صَيَاصِيْهِمْ [ أي حصونهم، ومنه سمي صياصي البقر وهي قرونها لأنها أعلى شيء فيها. واختار القرآن كلمة "صياصي" دون "حصون"، لأن هذه الكلمة – صياصي – توحي بهذه المعاني السابقة وتشير إلى إيحاءات، وكلها تهون من شأن هذا الحصون المنيعة.[16]
وقوله تعالى : ] وَقَذَفَ فِي قُلُوْبِهِمُ الرُّعْبَ [ "و"القذف" : الرمي البصير، ويستعار للسب بما فيه تصوير له وتجسيد على طريقة الاستعارة المكنية. وقد جاء هذا التعبير في القرآن الكريم في شأن اليهود مرتين ؛ هذه الآية، وأخرى في شأن بني النضير في سورة الحشر، ونجد القذف في هاتين العبارتين في شأن اليهود أقوى في المعنى من الإلقاء في شأن المشركين، إذ في القذف معنى القهر والإذلال لحال اليهود لموقفهم القاسي وتحالفهم الشرس ضد المسلمين.
كما جاءت كلمة "الرعب" في أربع مناسبات، هاتين المناسبتين لليهود، وأخريين في شأن المشركين، واحدة في بدر في قوله تعالى : ] سَأُلْقِي فِي قُلُوْبِ الَّذِيْنَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوْا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [ [17] والأخرى في أحد ] سَنُلْقِي فِي قُلُوْبِ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوْا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [[18] وهو بمعنى الخوف، لأنهم كانوا مالئوا المشـركين على حرب رسـول اللهe وليس من يعلم كمن لا يعلم وأخافوا المسلمين
وراموا قتلهم ليعزوهم في الدنيا فعكس عليهم الحال، وانقلب المشركون مدحورين مذمومين، ففازوا بصفقة المغبرين، فكما راموا العز ذلوا، وأرادوا استئصال المسلمين فاستؤصلوا، وأضاف إلى ذلك شقاوة الآخرة فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الحاسرة”.[19]
وقوله تعالى : ] وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ [ (إخبار لما كان لله من نعمة على المسلمين بعد أن أجلوا اليهود عن المدينة، فقد ورث المسلمون ما كان للقوم من أرض وديار وأموال، وهذا فضل من الله تعالى على المؤمنين يجب أن يذكروه، ويشكروا لله فضله وإحسانه).[20]
وقوله تعالى : ] وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوْهَا [ "إشارة إلى ما سوف يورث الله سبحانه وتعالى المسلمين بعد هذا، من أرض لم يطأها من قبل..وهي تلك الأرض التي وراء حدود الجزيرة العربية، مما ستمتد إلى فتوح المسلمين وتطلع عليه شمس الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.
وفي الحديث إلى المسلمين بالأرض التي سيرثونها مع أن المخاطبين لم يرثوها بعد، وإنما يورثها المسلمون من بعدهم، إشارة إلى أن المسلمين كيان واحد، وأن ما يرثه المسلمون في أي زمان ومكان، هو ميراث المسلمين جميعا..لأن هذا الميراث ليس في حقيقته لذات أنفسهم وإنما هو لدين الله والذين يجاهدون في سبيله".[21]
وقوله تعالى : ] فَرِيْقًا تَقْتُلُوْنَ وَتَأْسِرُوْنَ فَرِيْقًا [ بيان لما انتهى إليه اليهود في هذه الغزوة، فقد مكن الله تعالى رسوله e والمسلمين منهم، فنزلوا على حكم النبي e فيهم فقتل من قتل وأسر من أسر. وقدم فريق القتل في هذه الآية ؛ إذ المقتولون هم الرجال المحاربون، وهم مصدر الأذى، وفي قتلهم راحة منهم، ونهاية لأذاهم، ولهذا كان ذكرهم أهم ، فقدموا، ولم يكن في "المأسورين" هذا الاعتناء، ولهذا أخر، فقال تعالى : ] وَتَأْسِرُوْنَ فَرِيْقًا [. كما أن في تقديم المفعول في : ] فَرِيْقًا [ مما يدل على أن الرجال كانوا مصدر الإزعاج، فكان تقديمهم أهم، ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء فلذلك قيل : ] وَتَأْسِرُوْنَ فَرِيْقًا [.[22]
وقوله تعالى : ] وَكَانَ اللهُ عَلىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرًا [ هو تطمين لقلوب المؤمنين على مستقبل الإسلام الذي وعدهم الله بنصره وإعزازه، والتمكين له في الأرض، فإن هذا الوعد من الله القوي العزيز، الذي بقوته وعزته يجعل من هؤلاء القلة من المسلمين كثرة كثرة، ومن ضعفهم قوة تنهار أمامها قوي أعظم دولتين كانتا تسيطران على العالم في هذا الوقت، وهما دولتا الفرس والروم.
"هذا وفي الآية الكريمة إشارة إلى ما أراد الله سبحانه باليهود من إذلال وامتهان، فقد عرضهم سبحانه في معرض الاستباحة والاستخفاف بدمائهم وأموالهم وإغراء المسلمين بهم. وفي هذا أيضا تم استعراض كلما يتعلق بغزوة الأحزاب بما اشتملت عليه من سنن وقيم وتوجيهات وقواعد، جاء القرآن ليقيمها في قلوب المسلمين وفي حياتهم.
ولم تكن على هاتين فحسب، وإنما هذه الغزوة هي سلسلة من سلسلات التربية الإسلامية للمؤمنين، حقا إنها لتربية شاقة التي سار بها المؤمنون. إذ أنها امتحان وابتلاء اللذان أتى بهما الله لتميز الحقيقة في القلوب وفي تصورات الشخصية المسلمة. وفي هذا قص القرآن عن تلك المواقع والمواقف لتصير العظة والموعظة للمؤمنين وغيرهم. فالقرآن دليل وترجمان لاتجاه الحياة وتصوراتها، وبالابتلاء وبالقرآن تثبت القيم وتطمئن القلوب".[23]
فالآيات التي تناولت غزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة وما فيهما من حركات بين المؤمنين والمشركين و الكفار واليهود، ومن مواقف الثابتة لمن يتمسك به الإسلام، وخذلان غيرهم. وهي تعطي للمسلمين في كل زمان ومكان ما يتزودون به للنصر حين يتراءى عن حركات اليهود، وحركات المنافقين والكافرين لضرب المسلمين، وأن يكونوا أذكياء، وعلى وعي وافر على أساليب مكرهم وخداعهم، مع كونهم معتصمين بالله تعالى والعمل الصالح والكفاح، لينالوا عون الله تعالى لهم بجنوده التي لا يعلمها سواه. ] وَللهِ جُنُوْدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيْمًا حَكِيْمًا [[24] وصدق الله تعالى ورسوله فيما وعد، وكان للمؤمنين العزة والمجد.
——————————————————————————–
[1]- [ سورة الأحزاب الآية 26-27 ]
[2]- [ سورة البقرة، الآية 89 ]
[3]- [ أنظر صور من حياة الرسول e رقم 3، غزوة الأحزاب لأمين ويدار، ص 40، دار المعارف، القاهرة ]
[4]- [ في ظلال القرآن ج 5 ص 2845 ]
[5]- [ أنظر السيرة النبوية للطبري، وفي ظلال القرآن ج 5 ص 2846 ]
[6]- [ في ظلال القرآن ج 5 ص 2847 ]
[7]- [ أم سلمة هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية المغيرة القرشية، وكانت زوجة لأبي سلمة بن عبد الأسد بن المغيرة، هاجرت معه إلىالحبشة ثم إلىالمدينة. ولما مات زوجها تزوجها النبي e وهي آخر أم المؤمنين موتا، وتوفيت سنة 92هـ ] أنظر “الاستيعاب” (4/241)، و”الإصابة” (4/458)، و”أسد الغابة” (5/588)
[8]- [ الحديث أخرجه "البخاري في صحيحه"، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء، رقم 904، أنظر "مختصر صحيح البخاري" ج 1 ص 321 و"ابن حبان في صحيحه"، باب ذكر الإباحة للإمام أن يحث الناس على الخروج إلى الغزو في وقت بعينه وإن فاتهم فيه الصلاة في أول الوقت، رقم 4719، أنظر "صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان" ج 11 ص 19، وانظر تفسير ابن كثير ج 3 ص 477 ]
[9]- [ السيرة النبوية للطبري ص 216 والسيرة النبوية لابن هشام، ج 2 ص 235-236 ]
[10]- [ أنظر السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 239-240 وفقه السيرة ، ص 306، والسيرة النبوية للطبري، ص 219 ]
[11]- [ السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 241، والسيرة النبوية للطبري ص 220 ]
[12]- [ أنظر المرجع نفسهما لكل ج 2 ص 244-245 والطبري ص 222، وصور من حياة الرسول (3) غزوة الأحزاب ص 225،226 ]
[13]- [ صور من حياة الرسول (3) غزوة الأحزاب ص 225،226 ]
[14]- [ أنظر لغة المنافقين ج 2 ص 107 وانظر تفسير ابن كثير ج 3 ص 478 والتفسير الميزان ج 16 ص 308 ]
[15]- [ لغة المنافقين ج 2 ص 107 ]
[16]- [ أنظر تفسير ابن كثير ج 3 ص479 ولغة المنافقين ج 2 ص 107 ]
[17]- [ سورة الأنفال، الآية 12 ]
[18]- [ سورة آل عمران، الآية 151 ]
[19]- [ أنظر لغة المنافقين ج 2 ص 107 وتفسير ابن كثير ج 3 ص 479، والتفسير القرآني للقرآن ج 6 ص 684 ]
[20]- [ التفسير القرآني للقرآن ج 6 ص 687 ]
[21]- [ أنظر المرجع نفسه، ج6 ص 687، والتفسير الميزان ج 16 ص 308 ]
[22]- [ التفسير القرآني للقرن ج 6 ص 685 ]
[23]- [ أنظر تفسير سورة الأحزاب للشيخ محمد الأباصيري خليفة ص 48 الطبعة الأولى 1405هـ/1985م مكتبة المنار الإسلامية الكويت ]
[24]- [ سورة الفتح الآية 7 ]
