المبحث السابع عشر
توجيهات وعظات للمجتمع المسلم
قال الله تعالى : ] يا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا لاَ تَكُوْنُوْا كَالَّذِيْنَ آذَوْا مُوْسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوْا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيْهًا + يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اتَّقُوا اللهَ وَقُوْلُوْا قَوْلاً سَدِيْدً ا + يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيْمًا [ [1]
“لما أخبر الله تعالى أحوال الكافرين وما عليهم من مصيرهم الرهيب في الآخرة، تأثيرا من أفعالهم السيئة، وإيذاءهم على النبي e وعلى المؤمنين، حذر الله تعالى المؤمنين عن إيذاء نبي من أنبياء الله تعالى الذين أرسلوا قبل محمد e ، إذ أن إيذاء أي أحد منهم يؤدي إلى إيذاء الرسول e لما له من علاقة بينه وبين الأنبياء من قبل. وقد حذر فيها المسلمون من أذية النبي e كما فعل بنو إسرائيل مع موسى – عليه السلام – على ما كان من وجاهته وطهارته عند الله تعالى، وأمروا فيها بتقوى الله تعالى وعدم التفوه بغير ما فيه السداد وإطاعة الله تعالى ورسوله e وبذلك يصلح الله أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم ويضمنون لأنفسهم الفوز العظيم، فتظهر بهذا مناسبة بينها هذه الآيات لما قبلها.”[2]
وتظهر من هذه الآيات التوجيهات والعظات التي يلقيها الله تعالى على المؤمنين في محاولة قيام وبناء المجتمع الصالح، بعيدا عن أي اتهامات التي تحملهم إلى الهلاك.
أما التوجيه الأول الذي أراد الله تعالى في هذه الآيات توضيحها للمجتمع المسلم هو تعظيم وتوقير نبيهم e لما له من وجاهة وجاه من عند الله، وهو الذي يرشدهم من ظلمات الجاهلية إلى نور ربهم. وكان من تعظيم وتوقير النبي e هو البعد عن إيذاءه – حياة وموتا – وآل بيته وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، ليس كالذي فعله بنو إسرائيل نحو نبيهم موسى – عليه السلام – حيث أنهم آذوه وألصقوه بنقصان وعيوب.
“وقد تنوب عن هذا النهي الآية الأولى، حيث أنها تنادي المؤمنين – وهي النداء السادس التي ذكرته السورة – تأديب وزجر لهم عن أن يدخلوا في شيء من الأمور التي تؤذى رسول الله فتمنعهم ألا يؤذوا محمدا e بالفعل أو بالقول أو بالعمل أو بأي أمر يكرهه،
ولا يسلكوا مسيرتهم معه e سلوك بني إسرائيل مع موسى، ونهاهم عن التشبه ببني إسرائيل في أذيتهم نبيهم، فلقد آذى بنو إسرائيل نبيهم موسى – عليه السلام – إيذاء شديدا، فينزل بهم ما نزل ببني إسرائيل، فهلكوا في ذلك وجعلهم الله من الخاسئين”.[3] فقال تعالى مذكرا عن ذلك : ] يا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا لاَ تَكُوْنُوْا كَالَّذِيْنَ آذَوْا مُوْسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوْا [
وقد اختلف الناس فيما أوذي به محمد e وموسى – عليه السلام -، فحكى ابن كثير في تفسيره أن أذيتهم محمدا e قولهم : زيد بن محمد. وقيل : أن رسول الله e ذات يوم قسم قسما فقال رجل من الأنصار إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، قال فقلت يا عدو الله أما لأخبرن رسول الله e بما قلت فذكرت ذلك للنبي e فاحمر وجهه ثم قال : ((رَحْمَةُ اللهِ عَلَى مُوْسَى لَقَدْ أُوْذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ)).[4]
أما أذية بني إسرائيل على موسى – عليه السلام – فمتنوعة، حيث أنهم – بنو إسرائيل – آذوه بأسلوب متنوعة وأشكال مختلفة منها ما يتعلق بالعبودية أو الاعتقادية التي لا ينبغي عليهم إلقائها، إذ أن موسى-عليه السلام- أرسل إليهم ليكون نبيا، وقد أظهر موسى-عليه السلام- هذا الأمر فلا يلزم عليهم سؤاله إلا أنه يكون من الإيذاء عليه ومما جاء به، ومنها ما جاء إيذاءهم بما يتعلق بذاتيته، أي جسم النبي –عليه السلام- على سبيل الاستهزاء وغيرهما. والتفصيل –كما ذكره المفسرين- فيما يلي :
1- “ما تضمنه حديث عن أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ e، ((وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: “كَانَ بَنُوْ إِسْرَائِيْلَ يَغْتَسِلُوْنَ عُرَاةً وَكَانَ مُوْسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَتَسَتَّرُ كَثِيْرًا وَيُخْفِي بَدَنَهُ فَقَالَ قَوْمٌ هُوَ آدِرٌ وَأَبْرَصَ أَوْ بِهِ آفَةٌ، فَانْطَلَقَ ذَاتَ يَوْمٍ يَغْتَسِلُ فِيْ عَيْنٍ بِأَرْضِ الشَّامِ وَجَعَلَ ثِيَابَهُ عَلَى صَخْرَةٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثِيَابِهِ وَاتَّبَعَهُ مُوْسَى عُرْيَانًا يَقُوْلُ ثَوْبِي حَجَرٌ ثَوْبِي حَجَرٌ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيْلَ فَنَظَرُوْا إِلَيْهِ وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِهِمُ خَلْقًا وَأَعَدَّ لَهُمْ صُوْرَةً وَلَيْسَ بِهِ الَّذِيْ قَالُوْا فَهُوَ قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى “فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوْا )).[5]
2- وروي عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: آذوا موسى بأن قالوا: قتل هارون وذلك أن موسى وهارون خرجا من فحص التيه إلى جبل فمات هارون فيه، فجاء موسى فقالت بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته، وكان ألين لنا منك وأشد حبا. فآذوه بذلك فأمر الله تعالى الملائكة فحملته حتى طافوا به في بني إسرائيل، ورأوا آية عظيمة دلتهم على صدق موسى، ولم يكن فيه أثر القتل. وقد قيل: إن الملائكة تكلمت بموته ولم يعرف موضع قبره إلا الرخم، وأنه تعالى جعله أصم أبكم. ومات هارون قبل موسى في التيه، ومات موسى قبل انقضاء مدة التيه بشهرين”.[6]
3- وكان من إيذاءهم أيضا (أن قارون استأجر مومسة لتقذف موسى بنفسها على راس الملأ فعصمها الله وبرأ موسى من ذلك واهلك قارون).[7]
4- وقد قيل: (إن أذية موسى عليه السلام رميهم إياه بالسحر والجنون).[8]
5- كما أن من إيذاء بنو إسرائيل على موسى كذلك في قولهم حين يأمر موسى بالدخول إلى الأرض المقدسة، فقالوا : ] اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُوْنَ [[9]، وأنهم قالوا حين دعاهم نبيهم إلى الإيمان بالله : ] لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً [[10]، وأنهم قالوا حين ابتلاهم الله تعالى بالطعام : ] لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ [[11].
وكان هذه الروايات كلها محتملة على الصواب، إلا أن القرطبي احتمله الأول بالصواب، ولكن جاز أن يكون الكل، إذ أن موسى قد تعرض بهذه الإيذاءات من بني إسرائيل.[12]
قال الأستاذ سيد قطب – على وجه آخر – عن معنى هذه الآية : “ولم يحدد القرآن نوع الإيذاء لموسى، ولكن وردت روايات تعينه. ونحن لا نرى بنا من حجة للخوض في هذا الذي أجمله القرآن. فإنما أراد الله تحذير الذين آمنوا من كل ما يؤذي النبي e وقد ضرب بني إسرائيل مثلا للالتواء والانحراف في مواضع من القرآن كثيرة. فيكفي أن يشير إلى إيذاءهم لنبيهم، وتحذير المسلمين من متابعتهم فيه، لينفر حس كل مؤمن من أن يكون كهؤلاء المنحرفين الملتوين الذين يضربهم القرآن مثلا صارخا للالتواء”.[13]
وقوله تعالى : ] فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوْا [ دليل على عصمة الله لنبيه موسى – عليه السلام – من كل نقص وعيب كما ألصقه بني إسرائيل.
أما قوله تعالى في بيان مكانة موسى عنده : ] وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيْهًا [ (الوجيه عند العرب : العظيم القدر الرفيع المنزلة).[14] أي وكان موسى ذا وجاهة وجاه ورفعة ومكانة عند ربه، لم يسأل شيئا إلا أعطاه. ولهذا كان يميط عنه التهم، ويدفع الأذى، ويحافظ عليه لئلا يلحقه وهم، وكيلا يوصف بنقيصة، كما يفعل الملك بمن له عنده قربة وجاهة، إنه مدح من عند الله ليس له مدح آخر أفخر وأعظم من ذلك، أي أنه استحق الشرف وأعظم الرفعة.[15]
أما التوجيه الثاني الذي ذكر فيها السورة للمجتمع المسلم هو الأمر بتقوى الله الذي هو سبيل الأوحد للفوز في الحياة الدنيا والآخرة. وقد نادت الآية عن المؤمنين – وهي مرحلة أخيرة من النداءات التي ذكرها السورة – وهي تأمرهم بهذا الأمر والتزام القول السديد في كل زمان ومكان. فقال تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اتَّقُوا اللهَ وَقُوْلُوْا قَوْلاً سَدِيْدًا + يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيْمًا [
ونلاحظ من هذه الآية أن الله تعالى أمر عباده المؤمنين بالتقوى إليه، وهو أمر مطلق لم يقيد بشيء، فالمراد به إذن أن يحذروا غضب الله تعالى وعقابه في كل ما يأتون ويذرون من الأفعال والأقوال، وأن يستيقظ الضمير الإسلامي في كل منهم يقظة تحمله على رعاية جانب الله في كل عمل وفي كل قول، وتحرسه من أن ينحرف عن الجادة أو يتنكب الطريق، لكن ينبغي أن يكون في معناه دخولا أوليا ترك كلما فيه أذى للرسول e ، وكل ما يكرهه e.[16]
والتوجيه الثالث : أمرهم بأن يلتزموا بالقول السديد أي القول الصحيح، حيث قال تعالى في سياق الآية : ] وَقُوْلُوْا قَوْلاً سَدِيْدًا [ أي قويما وحقا وصوابا، صادقا لا افتراء فيه، مخلصا لا تشوبه شائبة أو رياء.
"وقد اختلف العلماء في تحديد كلمة "سديدا" : فقال قتادة ومقاتل يعني قولوا قولا سديدا في شأن زينب وزيد ولا تنسبوا النبي e إلى ما لا يحل. وقال عكرمة وابن عباس : القول السديد "لا إله إلا الله". وقيل : هو الذي يوافق ظاهره باطنه وقيل هو ما أريد به وجه الله دون غيره. وقيل : هو الإصلاح بين المتشاجرين. وغيرها من الأقوال التي تريد بها تحديد هذه الكلمة.
والذي يهمنا أن هذه الكلمة عام يشتمل به كل الخيرات، فهو عام في جميع ما ذكر وغير ذلك، لأن الظاهر من الآية أمرهم بأن يقولوا قولا سديدا في جميع ما يأتونه ويذرونه فلا يخص ذلك نوعا دون نوع وإن لم يكن في اللفظ ما يقتضي العموم فالمقام يفيد هذا المعنى لأنه أرشد سبحانه عباده إلى أن يقولوا قولا يخالف قول أهل الأذى".[17]
وبعد هذا التحذير للمؤمنين من إيذاء رسول الله e يوجههم الله إلى تسديد القول وإحكامه التدقيق فيه ومعرفة هدفه واتجاهه قبل أن يتابعوا المنافقين والمرجفين فيه وقبل أن يستمعوا في نبيهم ووليهم إلى قول طائش ويوجههم إلى القول الصالح الذي يؤدي إلى العمل الصالح، لينالوا عون الله تعالى ورعايته في الدنيا والآخرة، فالله تعالى يرعى أصحاب القول السديد، ويصلح أعمالهم ويغفر ذنوبهم. وكانت هذه كلها سلسلة من تأديب رباني مستمر التلقين في وجوب الامتناع عن اتهام الناس بما ليس فيهم والتزام حدود الحق والسداد في كل ما يصدر عن المرء من قول.
وفي الآية الثالثة ظهرت التوجيه الرابع من الله تعالى للمؤمنين وهو من أعظم الأعمال عن غيره وهو طاعة الله تعالى ورسوله e، حيث بعد أن بين الله تعالى للمؤمنين ما يجزيهم به إذا هم اتقوه ولم يقولوا إلا القول السديد، إنه يعدهم بأن يصلح لهم أعمالهم، أي بأن يمدهم بالصلاح والكماليات والفضائل، ما داموا يلتزمون الصدق في أقوالهم، ويحرصون على التقوى، ويعدهم كذلك بأن يغفر لهم ذنوبهم، أي بأن يمحوها من صحائفهم ولا يحاسبهم عليها ؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، ويعقب على وعده بإصلاح أعمالهم وبغفران ذنوبهم قائلا : ] وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيْمًا [ [18] وطاعة الله تعالى ورسوله e تكون باتباع ما أمرا به، واجتناب ما نهيا عنه، وهي تشمل العبادات والمعاملات والأخلاق، وتكون في القول والعمل جميعا، والفوز العظيم الذي هو جزاء الطاعة – يشمل الدارين، ويكون بالاتصاف بالصفات الإلهية، وأنه فوز عظيم وصفه الله تعالى بأنه عظيم.[19]
——————————————————————————–
[1]- [ سورة الأحزاب، الآيات 69-71 ]
[2]- [ أنظر التفسير الحديث ج 8 ص 294 ]
[3]- [ أنظر فتح القدير ج 4 ص 307 ]
[4]- [ أنظر تفسير ابن كثير، ج 3 ص 521، والحديث ]
[5]- [ التفسير الطبري ج 10 ص 336، وتفسير ابن كثير ج 3 ص 521، وتفسير البغوي ج 3 ص 545، والحديث أخرجه "البخاري في صحيحه" أنظر "فتح الباري شرح صحيح البخاري لأحمد بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، 773-853هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، باب من اغتسل عريانا وحده في خلوه أي من الناس، رقم 273، ج 1 ص 386، دار المعرفة، بيروت 1379هـ، كما أخرجه "ابن حبان في صحيحه" باب ذكر تعيير بني إٍسرائيل كليم الله بأنه آدر، رقم 6211، أنظر "صحيحح ابن حبان" ج 14 ص 94 ]
[6]- [ أنظر تفسير القرطبي ج 7 ص 251، وتفسير ابن كثير ج 3 ص 521 وتفسير الطبري ج 10 ص 336، وتفسير البغوي ج 3 ص 545 ]
[7]- [ تفسير البغوي، ج 3 ص 545، وأنظر التفسير بيضاوي ج 4 ص 387 ]
[8]- [ تفسير القرطبي ج 7 ص 223 ]
[9]- [ سورة المائدة، الآية 24 ]
[10]- [ سورة البقرة، الآية 55 ]
[11]- [ سورة البقرة، الآية 61، وانظر سورة الأحزاب عرض وتفسير، ص 227 ]
[12]- [ أنظر تفسير القرطبي ج 7 ص 251، وتفسير الطبري ج 22 ص 336 وتفسير ابن كثير ج 3 ص 521 ]
[13]- [ في ظلال القرآن، ج5 ص 2883-2884 ]
[14]- [ تفسير القرطبي ج 7 ص 252 ]
[15]- [ أنظر التفسير البيضاوي، ج 4 ص 387 ]
[16]- [ أنظر سورة الأحزاب عرض وتفسير، ص 229 ]
[17]- [ أنظر تفسير القرطبي ج 7 ص 253، وتفسير ابن كثير ج 3 ص 522، وفتح القدير ج 4 ص 308 ]
[18]- [ سورة الأحزاب، الآية 71 ]
[19]- [ سورة الأحزاب عرض وتفسير ص 230 ]
